الخلفيات الخارجية لحروب صعدة : (خفايا وأسرار)

? أكثر من واجب الدفاع عن النفس لم يَثبُت حتى الآن أن أهل صعدة بشكل جماعي قاموا بارتكاب جريمة عُظمى تضُر بمصلحة الإنسان أو الوطن استدعت حشد الجيوش والطائرات والدبابات وكل أنواع الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً لقتلهم وقهرهم وهدم منازلهم والتنكيل بهم.
هذه الجيوش الجرارة وعتادها الثقيل أنشئت واستقدمت وجُلبت أساساً من مالِ هذا المواطن لحمايته وهو وحده صاحب هذا الجيش وصاحب الحق الوحيد فيه وفي اتخاذ قرار الحرب من باب أولى ضد أعدائه وليس ضد نفسه لأنه لا يوجد جيش في الدنيا يَشُن حرب على أهله ومواطنيه مهما كانت الأسباب إلا في ظل حكومة تعمل لمصلحة قوى أجنبية.
ومرجعية هذه الحقيقة المرة التي يقع اليمن في براثنها منذ زمن طويل تبرز في عمومية المشهد والصورة وليست في تفاصيلها الصغيرة وإرهاصاتها التافهة ويكمن الفهم الدقيق لها من خلال معرفة الكيفية في تنفيذ السياسات الدولية ومنها الطريقة في تطبيق "جدلية التوازن" المُسخرة لخدمة أجندات واستراتيجيات بعض القوى الخارجية... هذه النظرية مبنية على التوافق بين المتناقضات التي صاغها "هيغل" واخذ بها صناع القرارات العولمية الذين قاموا بحياكة سياساتهم الدولية منها والتي تقوم على ضمان استمرار مصالح أصحابها من خلال خلق التناقضات بين أطراف المعادلات السياسية والإيديولوجية المختلفة التي تؤدي إلى حروب طاحنة بعيدة عن حسابات نتائج الانتصار أو الهزيمة لصالح أو ضد طرف من الأطراف المتصارعة أو كما قال الكاتب الغربي الشهير جيم مارس "هي العملية التي يتم فيها تصالح المتعارضات أو الفرضية ونقيضها والتسوية بينهما في توليفة تركيبية".
ويتم تطبيق هذه السياسة في اليمن بدقة شديدة في كل المجالات المختلفة ومنها حروب صعدة.
استمرار حروب بين طرفين أو عدة أطراف دون إحراز النصر من أحدهما ودون إيقاع الهزيمة على احد أطرافهما رغم تفاوت موازين القوة الشاسع والفاضح بينهما تدل على أن الأهداف المعلنة من هذه الحروب ليست هي الأهداف الحقيقية بل إن أهدافها الأساسية غير معلنة وفي الغالب مادية وسياسية وبالأحرى مادية تتمثل في إدرار أرباح طائلة ومستمرة على أصحاب مصانع الأسلحة وعمولات ضخمة ومُرَكَبة تَصُب في جيوب وكلائها الحصريين في اليمن وهم المدعو علي عبد الله صالح وأعوانه بالإضافة إلى الميزانيات المهولة المصروفة يومياً من أموال الشعب لتجار وصناع هذه الحروب وأيضا دفعات أموال المساعدات الخارجية التي تتراوح بمئات الملايين من الدولارات التي تُصرف لأسباب متعددة لا تخلوا من ابتزاز من دول الجوار لا سيما نظام آل سعود الذي يشكل طرف مُستَخدم في المعادلة السياسة في إطارها الإقليمي.
لذا نقول لكل المستغربين من مصادر الدعم اللوجستي لاسيما الأسلحة وكيفية إيصالها وتسليمها إلى الحوثيين المتهمين بالتآمر مع الخارج زوراً وبهتاناً من قبل السلطة اليمنية التي دأبت على تشويه الحقائق ، أن ألحوثيين براء بناء على المعطيات الملموسة على أرض الواقع وأن الأسلحة التي يستخدمونها هي فعلاً كما يصرحون أنهم يحصلون عليها من قبل الجيش المعتدي عليهم بعدة وسائل منها باختصار أن أفراد القوات المسلحة تحارب دون عقيدة ودون هدف كما أنها مخترقة ويتم تسريب خططها الهجومية والدفاعية عنوة للطرف الآخر لأن الهدف الأساسي من الحرب هو الحرب ذاتها واستمرارها مع الحرص على عدم منح الطرف الآخر وسائل التفوق ، بيد أن السحر قد أنقلب على الساحر من حيث "يمكرون ويمكر الله بهم" وانتقلت ساحة المعركة دون إرادتهم ومخططاتهم إلى قاب قوسين أو أدنى من عقر دارهم.
وليست الدعايات الكاذبة والمختلقة التي يحاولون تسريبها عبر قنواتهم الاستخباراتية بأن هناك خلافاً بين علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر هي سبب الضعف القائم في حسم المعركة.
ألم تتوصل دولة قطر إلى عدة اتفاقات ونقضتها السلطة مرارًا؟!.
ألم يهنئ ويبارك الملك عبد الله آل سعود صاحب المصلحة الأولى الرئيس صالح على إبطال كل اتفاقات الدوحة واستخدام عوضاً عنها لغة القوة ضد مواطني صعدة؟!.
ثم ألا ترون وجود تواطؤ إقليمي ودولي كبيرين من خلال التعمد في التعتيم الإعلامي الشديد على ما يحدث من جرائم قتل ومجازر وإبادة وتشريد لعشرات الآلاف من البشر التي يندى لها الجبين بنفس طريقة التعتيم على الهجوم العولمي على العراق ، في حين تقوم الدنيا ولا تقعدها لمجرد الاعتداء على الصحافي عبد الكريم الخيواني – ليس استنقاصًا من رسالته الوطنية الشريفة ودوره المتميز بل لتوضيح الصورة حيث يسقط مستوى هذا الاهتمام الدولي به تقريباً إلى الصفر عند اكتشاف أنه يتعاطف في كتاباته مع الحوثيين! ويُترك مصيره لجلاوزة الأمن المخترق وبقية كلاب السلطة؟.
وفي الوقت نفسه تجري على نارٍ هادئة صفقة صعدة بعيدة عن الأذهان والأعين وحتى عن الحرب الإجرامية المتكررة والمتواصلة ضد إخواننا أبناء المحافظة الشامخة عن طريق قضمها ببطء من قبل نظام آل سعود لتلتحق كسابقاتها بعسير ونجران وجيزان وذلك في إطار المسلسل التآمري القائم لتصفية اليمن من خارطة الجزيرة العربية الذي بدأ خطواته العملية منذ تولي الرئيس صالح السلطة في 1978.
أو لم يعترف المرحوم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب لعقود قبل وفاته أن علي عبد الله صالح قد فًرض رئيسًاَ على اليمن من قبل نظام آل سعود وهو لايزال ضابطًا صغيراً مغموراً رغم الرفض المشايخي له؟!.
أليست هذه إدانة كافية بالعمالة بحد ذاتها؟.
ومع ذلك نستغرب أنه لم يجد هذا الاعتراف الفضائحي الصريح آذاناً صاغية!!.
ولتوضيح بل وللتذكير عن بعض الجزئيات من مسلسل المشهد التآمري فإن بيع أراضي وأضلاع اليمن : عسير ونجران وجيزان لم يتم تنفيذه في يوم وليلة بل تم على مراحل طويلة وبدأت إجراءاته العملية يوم اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي آخر القلاع الشامخة التي انتصبت في حلقوم وبلعوم التوسع الفاشي السعودي العميل ليتسنى بعد ذلك إخراج معاهدة الذل المسماة بـ "الطائف" من تحت القمامات المتعفنة التي تم التوقيع عليها في عهد ألإمام يحيى حميد الدين وعبد العزيز بن سعود سنة 1934 في مدينة جدة التي رفضها الشعب اليمني قاطبة لدرجة أنه لم يُراع التجديد لها في الموعد المحدد بستة أشهر قبل نهايتها والتي انتهت صلاحيتها في 1994 بعد أن تم تجديدها مرتين كان آخرها من قبل القاضي الحجري والأستاذ نعمان اللذين تم اغتيالهما لنفس السبب.
ومن الملفت للانتباه أن صلاحيتها انتهت في نفس سنة حرب الانفصال المدعوم سعودياً ، وبعد أن كان التعاطي أو التحدث عنها من المحاذير والمحرمات من قبل الجميع لما تحتويه هذه المعاهدة من صفقات ذُل وخيانة توصل إليها الطرفان من وراء ظهر الشعب اليمني.
بيد أن حرب 94 قلبت الطاولة وحولت معاهدة "العار" بين ليلة وضحاها إلى مرجعية تاريخية وقانونية ليتم رفع مستواها من مزابل التاريخ إلى مصاف المعاهدات الدولية المحترمة وتعميمها مباشرة من قبل الأبواق الإعلامية الرسمية التافهة التابعة للطرفين تمهيداً لصفقة الترسيم الحدودية بين علي عبد الله صالح ونظام آل سعود.
اتفاق موعد حرب الانفصال مع موعد انتهاء صلاحية هذه المعاهدة لم تكن من دواعي الصُدف بل من ضرورات السبق الانتهازي بين الفرقاء لتقبيل أيادي الأسياد وتسليم عهدة العمالة والخيانة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
التدخل السعودي في حرب صعدة والصرف عليها ليس من قبل الصدف أيضًا لكنه مؤشر لبداية استحقاق جديد بناء على اتفاقات سرية تكتب صفحاتها بدماء اليمانيين بكل وحشية في ظلام ليل كالح السواد كما كتبت اتفاقات اغتيال الحمدي واتفاقات الطريقة التي تم بها التخلص من أحمد الغشمي غير القصة المزورة المعلنة حتى الآن باسم المفترى عليه الحاج تفاريش التي مهدت لتنفيذ تولي المدعو علي صالح السلطة واتفاقات حرب الانفصال واتفاقات إتمام صفقات عسير ونجران وجيزان واتفاقات نشر الفساد واتفاقات إفقار وتجويع الشعب واتفاقات نهب الثروات بل وحتى اتفاقات تحويل اليمن إلى مركز زواج المسيار والدعارة السياحية وضرب القيم الإسلامية في مقتل بالإضافة إلى اتفاقات شحن العمال اليمنيين ورميهم في الحدود بعد اتهامهم بالتسول وقد يصاب البعض بالذهول والدهشة عندما يعرف أن حرق اليمنيين في أراضيهم المغتصبة قد تم بموافقة رسمية مسبقة لذا لم تنبس حكومة النصب والفساد ببنت شفه في الدفاع عن مواطنيها لأن هذا ليس دورها طبعاً.
هذه هي المنجزات العظيمة التي يتفاخر بإنجازها علي صالح ليل نهار!.
ألا يقال بأن "كل إناء بما فيه ينضحُ"؟.
ولم تتم كل هذه القضايا بالصدفة بل كل شيء مرسوم ومخطط له سلفاً وتكتب حروفه ببراعة إجرامية فائقة كما تكتب اليوم مسرحيات وسيناريوهات الانفصالات الجديدة القادمة إذا لم يستفق الشعب اليمني شمالاً وجنوباً لما يحاك ضده ومن وراء ظهره بنفس الطريقة التي ترسم الآن على قدم وساق خرائط حروب صعدة الهمجية.
ما هو مبرر حروب صعدة إذن...؟. هل سببها الفكر الزيدي الشيعي أو حتى الاثني عشري كما يقال؟.
لو افترضنا بأن ذلك صحيح..ً ألم يبح الدستور اليمني حرية الاعتقاد أياً كان؟.
ألا توجد جماعات أخرى في اليمن لهم معتقداتهم ويمارسونها بكل حرية فضلاً عن دعم السلطة لها كالجعفرية وغيرها بل وحتى الديانة اليهودية؟.
لماذا تمايز الحوثيون عن غيرهم؟.
ماذا لو لم يكونوا في صعدة وكانوا في حراز مثلاً أو في جِبلة هل ستتم محاربتهم؟.أم لأنهم في محل تماس مع مذهب آخر يدعى المذهب السلفي الوهابي (التوسعي المنبطح) الذي تم تدجينه وتهجينه وتجنيده من قبل سادة النظام الامبريالي العولمي ليكون الأداة الفاعلة في تطويع العالم العربي والإسلامي منذ عقود طويلة وتم نشره وتعميمه في كل بقاع العالم الإسلامي ليُلبي سياسات وطموحات وأطماع قادة الاستعمار الجديد فمَنَع الحوثيون تقدمه وتوسعه وبلطحته في منطقتهم التي هي جزء من اليمن بلد الإيمان والحكمة بالنسبة للعالم الإسلامي.
ألم يتخرج من بين أكمام وجوارب هذا المذهب المُخترق أسامة بن لادن الذي تبنى أحداث الحادي عشر من سبتمبر المخططة لها عولمياً تطبيقاً لسياسة (تصالح المتعارضات) آنفاً ليكون السبب في ضرب واحتلال أفغانستان والعراق ويظل الفزاعة التي يرعبون بها كل الشعوب بما فيها الأمريكية والأوروبية من أجل استمرار هيمنتهم على العالم لدرجة إعادة انتخاب الرئيس بوش لدورة ثانية رغم معرفة شعبه بفشله وخيبته بسبب نهيق بن لادن قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة؟.
أم أن أسباب حروب صعدة هي الدعاوى التي اعترفت السلطة بكذبها لاحقاً بأن أفراداً من الحوثيين لهم علاقات بإيران وليبيا ؟.
وليكن إذا كان هذا الادعاء صحيحاً طلباً للنجدة والدفاع عن أنفسهم ووطنهم لماذا يتم التشهير بهم واستثنائهم من التعامل مع الخارج في الوقت الذي يُسمح للآخرين على الملأ وفي وضح النهار استلام الميزانيات المنتظمة بملايين الدولارات بهدف إلغاء اليمن من الوجود ، فهل يستدعي ذلك قصف مدن وقرى بمن فيها؟ ماذا تركت هذه السلطة لإسرائيل من أعمال إرهابية وإجرامية ضد إخواننا الفلسطينيين ولم تقم بها حتى الآن؟.
ما لم ننفض عن عقولنا غبار العجز القائم على التقاعس لحل الغاز الكلمات المتقاطعة وفرز الثوابت الوطنية عن حملات الكذب والغش والخداع والتزوير والعمالة التي تمارسها السلطة سيتحمل الجميع مسؤولية هذا الصمت إزاء العبث في مقدرات بلادنا وهتك أعراضنا وإنسانيتنا ، وأولويات كشف هذا الزيف هو الإعلان الصريح والواضح عن كل العملاء المُندسين الذين تم تجنيدهم للعبث بحياتنا وأرضنا ومقدراتنا وثقافتنا وتاريخنا تنفيذًا لمصالح خارجية.
كتب/ عبد الباسط الحبيشي

اليمن الكبرى

عــودة