حرب نظام آل سعود في اليمن لا يمكن حسمها عسكرياً.

?  قيل هذا لصنعاء وللرياض، وقد أثبتت الحروب الست الماضية ذلك.
كما أن وقوف السعودية عند حدودها البرية، وعدم قدرتها على استعادة جبال دخان والرميح والمدود خلال الأسابيع الماضية، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحرب لا يمكن حسمها برياً، كما أن سلاح الجو السعودي مهما كان متطوراً غير قادر على حسمها أيضا ، ثلاثون ألف مقاتل حوثي يواجهون جيشين: سبعمائة ألف في الطرف اليمني، ونحو ثلاثمائة ألف في الطرف السعودي.
هناك ما يشبه توازن قوى ، الطبيعة والمقاتلون المؤدلجون زيدياً ووضع الدفاع عن قراهم وأهلهم، عناصر إضافية تحسن وضع الحوثيين في الميدان، ما يجعل القضاء عليهم أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
توازن القوى على الأرض هو ما يجعل الحرب تطول.
وإطالة الحرب فيه فضيحة سياسية وعسكرية للجيشين اليمني والسعودي، لأن قيادتيه السياسيتين وضعتا أهدافاً كبيرة يأتي في مقدمتها القضاء على الحوثيين، مثلما أعلن مراراً الرئيس علي عبدالله صالح، بأن الحرب لن تتوقف مع من سماهم بـ (الزمرة الخائنة العميلة الجبانة).
 أما السعودية فحاولت أن تتواضع في أهدافها دون أن تلغيها.
لم يعد هدف السعودية القضاء على الحوثيين، ولا إبعادهم عشرات الكيلومترات داخل العمق اليمني من اجل إقامة منطقة عازلة.
وإنما أصبح الهدف: (منع المتسللين) وإقامة منطقة عازلة داخل الشريط الحدودي السعودي، عبر نقل عشرات الألوف من السكان السعوديين إلى الداخل وتهيئة مساكن لهم، كما أعلن ذلك الملك عبدالله في زيارته لجازان مؤخراً.
الحرب على المتسللين واحدة من أهداف الحرب، وبديهي أن المتسللين الذين قبض عليهم بالآلاف هم من اليمنيين العاديين الباحثين عن العمل ومن المهربين للقات والسلاح.
ولقد كان التهريب معضلة للسعودية في السنوات الأخيرة، رغم أن القائمين عليه منتفعون كبار وشخصيات رسمية في الطرفين اليمني والسعودي.
وقد زادت حماسة السعوديين لإيقاف التهريب خاصة بعد سيطرة الحوثيين على الملاحيظ قبل نحو ثلاثة أشهر، وهي المنطقة التي يجري خلالها معظم التهريب.
وكما أن التوازن العسكري بين الأطراف المتصارعة يمنع من حسم الحرب في المستقبل المنظور، مع ما في إطالة الحرب من مردودات سلبية سياسية على الدولتين اليمنية والسعودية..
فإن عدم نضج البدائل السياسية المتعلقة بالوضع اليمني تجعل من تغطية الحرب دولياً وعدم الاعتراض عليها أمرا متواصلاً، بالشكل الذي يجعل من استمرارها أمراً حتمياً، في غياب أية دعوة لإيقاف الحرب أو مبادرة سلام تخفف من المعارك وتجنب المدنيين اليمنيين الأذى والقتل والدمار.
منذ أن دخل نظام آل سعود الحرب، تدهور الوضع اليمني الداخلي أكثر، بعكس ما كان متوقعاً.. وفي ظل الصمود الحوثي وبسببه، حصل الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال على فسحة كبيرة من التحرك فنشط في مظاهراته وإضراباته وحرك جماهيره باتجاه أهدافه، إلى الحد الذي بات معه يخشى على الدولة اليمنية نفسها من التفكك، والجيش اليمني نفسه من التمــزق أفقياً وعمودياً بسبب الانتماءات المناطقية والمذهبية.
ومع أن الحوثيين ضد الانفصال، وقد أبلغوا قادة الحراك الجنوبي بذلك، فإنهم يعتقدون ـ حسب مصدر حوثي ـ بأن النظام في صنعاء نجح حتى الآن في منع لقاء القوى اليمنية الفاعلة لتدارس وضع الدولة ومنع انهيارها، وقد حاولت فعاليات سياسية الاجتماع خارج اليمن ولكنها منعت من السفر.
تخويف القوى السياسية الفاعلة من بعضها البعض، وتأجيل التقائها على قاعدة سياسية واضحة، يستهدف منع نضج البدائل، وبالتالي منع ظهور التغيير المطلوب الذي يمكن أن يقنع القوى الإقليمية والدولية به. الحوثيون من جانبهم يعتقدون بأن المشكلة في رأس الحكم، فهو من وجهة نظرهم من سبب المشاكل واستدعى التدخل الخارجي، وهو من أرسل قادة الوحدة الجنوبيين إلى المنفى في السعودية ودول الخليج الأخرى، وبالتالي فإن الاعتراض يجب أن يكون على من قام بذلك، لا أن يتحول إلى تمزيق اليمن بعد توحده.
وهم قد رجوا الرئيس السابق علي سالم البيض بأن يتنازل في مطالبه من الانفصال إلى القبول بمبدأ الفيدرالية كحل وسط يحفظ الدولة اليمنية من التفكك، ويطمئن المواطنين والوضع الإقليمي إلى أن التغيير المنشود موضعي، ولن تكون له تداعيات خطيرة على المنطقة وعلى اليمن نفسه.
هناك محاولات ـ حسب المصدر الحوثي ـ لجمع القوى السياسية الفاعلة على الحد الأدنى من الأهداف، وتشمل الأطراف: حميد الأحمر وحزب الإصلاح والحراك الجنوبي إضافة إلى الحوثيين.
فإذا ما اتفقت هذه الأطراف على ترتيبات سياسية، يمكن تفادي مخاطر تشطير اليمن أو تحولها إلى حرب أهلية، حتى مع إصرار الحكم المركزي على مواصلة الحرب.
ويرى الحوثيون بأن الولايات المتحدة التي كانت معارضة لانفصال الجنوب كما كان موقفها في حرب 1994م، أصبحت أقرب إلى وجهة النظر السعودية، أي أنها لا تمانع من عودة اليمن الجنوبي دولة مستقلة كما كانت قبل عام 1990م.
ويلفت هؤلاء النظر إلى حقيقة أن أكثر قيادات الحراك الجنوبي لا تزال تقيم في السعودية نفسها، وأن مسألة الانفصال لم تتخل السعودية عن دعمها حتى في ظل الأوضاع الحربية الحالية ووقوفها مع الرئيس علي عبدالله صالح.
وكأن السعودية تريد المساومة بهذه الورقة في مرحلة إعداد البدائل للوضع القائم.
وهنا يؤكد الحوثيون بأن الولايات المتحدة تختلف مع السعودية في شأن البديل، فالأخيرة تريد شخصية من حزب الإصلاح المقرب منها، أما واشنطن فتريد أن ترى 'ترويكا' من القوى لا تعطي حزب الإصلاح أفضلية في هذا الأمر.
بغض النظر عما يجري من ترتيبات سياسية، فإن الحكومتين اليمنية والسعودية ترفضان ـ حتى الآن ـ أية وساطات، في ظل غياب القدرة لدى أي طرف على حسمها عسكرياً.
وإذا كان دخول الجيش السعودي الحرب قد غير في وجهة المعركة السياسية والإعلامية، بمعنى أنه أخرجها من إطارها المتمرد مقابل السلطة المركزية ـ كما تريد حكومة صنعاء، ووضعها في إطار إقليمي كصراع إيراني سعودي ـ كما تريد الحكومة السعودية، أو في إطار حرب سعودية على اليمن ـ كما يؤكد الحوثيون.. فإن التدخل السعودي لا شك ساهم في إضعاف الحكم المركزي في اليمن، وأضعف هيبة الجيش اليمني ومكانته، وأوقد شعلة وطنية كادت أن تنطفئ ضد التدخل السعودي الواسع في اليمن بهذا المعنى يمكن القول بأن استمرار الحرب لا يضعف الحوثيين، فهم رغم الحصار لسنوات يمثلون (مجتمع كفاف) يعيشون على ما يزرعون، ويقاتلون بأسلحة الحكومة نفسها وبما يشترونه من سلاح من السوق المحلية (تقول مصادر بحثية غربية انه يتم في اليمن تداول ما بين 60 إلى 80 مليون قطعة سلاح).. انه مجتمع لا يعرف كماليات الكهرباء ولا التلفزيون ولا خطوط الهاتف الأرضي، ولا الهاتف المحمول فقد قطعت الاتصالات منذ مدة طويلة وخلال الحروب السابقة.
هو مجتمع يدير نفسه، يعلم فتياته الطبابة بشكل يذكرنا بجيش ماو تسي تونغ الحافي! ويهرب أدويته، ويمرر بصعوبة مواده الإعلامية إلى الخارج.
الحروب الست لم يشهد لها مثيل بين الحروب من جهة التغطية الإعلامية، فالمنطقة بكاملها محاصرة ولم يدخلها إعلاميون وصحافيون ليشهدوها.
 ومن هنا تتكاثر انتصارات الجيشين السعودي واليمني في الفضاء.. أما على أرض الواقع فالأمور جدّ مختلفة. يمكن للرئيس علي صالح أن يحدث انقلاباً على سياساته الماضية قبل أن تفلت الأمور.. لكن عليه أن يستعيد مفاتيح الأزمة التي تسلمتها السعودية حين دخل جيشها الحرب.
ويمكن له أن يبحث عن حل سياسي مع جميع القوى قبل أن يتسع الخرق على الراقع فيكون هو الضحية، فيوقف الحرب ويستدعي الوسطاء القطريين أو السوريين أو الأتراك. هؤلاء ينتـظرون إشارته، وهناك من ينتظر بين المصفقين له نهايته!.

  اليمن الكبرى

عــودة