|
بعد قيام الثورة اليمنية فى 26 سبتمبر 1962 استشعرت السعودية أنها لم تكن تهدف إلي إسقاط نظام الإمام "البدر" المتخلف بقدر ما كانت تهدف إلى زعزعة استقرارها هي وتهديد أمنها وإسقاط نظامها … ولا شك أن التهديدات التى أطلقها المسئولون اليمنيون للنظام السعودي فى حين قد ساعدت على تأكيد هذا الانطباع،من ذلك مثلاَ ما صرح به " عبد الرحمن البيضاني " نائب رئيس الجمهورية اليمنية حينذاك من " أنه اتخذ كافة الترتيبات اللازمة لنقل المعركة إلى السعودية نفسها ".
ويذكر أن مصر كانت هي أول دولة تعترف بنظام الثوار الجديد وأن تدخلها كان يهدف إلى حماية ثورتهم ضد العناصر الملكية اليمنية الرجعية المناوئة لرياح التغيير تحت زعامة إمامهم "البدر". إلا التدخل المصري لم يكن يروق للسعوديين بأي حال من الأحوال،من ناحية مخافة أن تمتد عدوى القومية العربية فتزلزل أركان حكمهم الرجعي الفاسد،ومن ناحية أخري مخافة أن يتوحد اليمن فيبتلع دولتهم الفقيرة فى عدد سكانها إن لم يبتلع كل شبه الجزيرة العربية،ومن ناحية ثالثة بحثاَ عن دور فى المنطقة يضاهي دور مصر الناصرية .. ومن ثم لم يكن مستغرباَ أن ينظر السعوديون إلى التدخل المصري فى اليمن على أنه ليس تدخلاَ فى صراع يمني
،وإنما مدخلاَ لصراع مصري – سعودي .. ولذا أقدموا على قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع مصر وبدءأو فى حياكة خيوط مؤامرة كبرى عليها وعلى قواتها الموجودة فى اليمن،تلك المؤامرة التى لم تتسبب فى إنهاك هذه القوات فحسب،وإنما كانت لها تداعياتها السلبية على الأداء المصري فى حرب 1967.(*)
وما حدث خلالها من نكسة حصد كل العرب وليست مصر وحدها أشواكها .. وقد كانت أبرز خيوط هذه المؤامرة:
• الاستنجاد بالولايات المتحدة كي تدعم حربها ضد الثورة اليمنية وضد القوات المصرية والحصول على كميات ضخمة من الأسلحة الأمريكية،بالتحديد خلال الفترة من (1962-1966)،وقد واكب عملية إمداد السعودية بهذه الأسلحة تدفق أعداد كبيرة من الخبراء والمستشارين الأمريكيين إليها وصل عددهم إلى أكثر من 15 ألف أمريكي.
• الاستعانة بشاه إيران لمساندتها،وهو ما فتح الباب أمام الشاه لخلق وجود عسكري إيراني فى سلطنة عمان،بالإضافة إلى إمداد السعودية بالأسلحة والخبراء.
• انضمام الأردن إلى هذه المواجهة دعماَ للسعودية وللإمام البدر والمشاركة فيها بإرسال ما بين (10-15) ألفاَ من جنود الجيش وقوات البادية والمتطوعين من البدو الذين أغروا بتلقي المرتبات،والمكافآت من الأموال السعودية وفي تعبير دقيق عن الاصطفاف الأردني فى الخندق السعودي فى مواجهة الثورة اليمنية والقوات المصرية،يعترف رئيس وزراء الأردن الأسبق عبد المنعم الرفاعي قائلاَ " التقت الكراهية لعبد الناصر لدي زعماء الأردن،والسعودية والأموال الطائلة التى أغدقتها السعودية على الملك وبطانته ثم على المرتزقة الذين زج بهم فى الحرب (ضد اليمن ومصر) لإقامة هذا التحالف غير المقدس بين الأسرتين الحاكمتين – الأسرة السعودية والأسرة الهاشمية ". هذا ما أكده أيضاَ الدكتور " حاتم سحيمات " الذي كان شاهد عيان على حملة تجنيد المقاتلين من بين صفوف العشائر لمقاتلة الثورة اليمنية والقوات اليمنية والقوات المصرية بقوله: " لقد جعل النظام الأردني من الحرب السعودية على ثورة اليمن والقوات المصرية الداعمة لها قضية مصيرية ومقدسة عندما وصفها بأنها صراع بين الإلحاد والإيمان،وبين الشرق والغرب،وأن الأردن يجب أن يقف بكل إمكانيات إلى جانب السعودية".
• إلا أن ما لم يكن متوقعاَ على الإطلاق هو اصطفاف،إسرائيل فى الخندق السعودي فى مواجهة الثورة اليمنية والقوات المصرية المتواجدة فى اليمن بناء على طلب من الملك فيصل .. هو الاصطفاف الذي اتخذ مظهرين: أولهما:
تجنيد مرتزقة من يهود اليمن الذين هاجروا إلى إسرائيل عام 1950 بلغ عددهم 75 ألف فى العامين 1963-1964 للقتال ضد القوات المصرية،وقد تم تنظيم عملية التطوع فى عدة مراكز (فى رأس العين وفي كيرم هينتميائيم وفي هعيمن يزرائيل،وفى مناطق أخري من إسرائيل ،وكانت حملة التطوع تتم بإشراف عدة جهات فى مقدمتها وزارة الدفاع التى كان يتولاها رئيس الوزراء الأسبق "دافيد بن جوريون " والذي وصف اليمن بأنهم متخلفون وليست لديهم أدنى فكرة عن الحضارة،ولذا فإن مكانهم الطبيعي أن يكونوا على الحدود اليمنية ليقاتلوا القوات المصرية إلى جانب البدر والسعودية.
وفى إفصاحه عن تجنيد هؤلاء اليهود اليمنيين الذين تم تنظيمهم فى لواء كامل يشير "فيجدور كهلاني " الذي كان ضمن قادة هذه اللواء إلى أن الولايات المتحدة مولت عملية تجنيد أفراد المخابرات المركزية من إيلات إلى الظهران فى السعودية. ثانيهما:إرسال أسلحة إسرائيلية إلى السعودية .. وللتموين نقلت هذه الأسلحة تحت إشراف وكالة المخابرات المركزية إلى إيران باعتبار أن الشاه كان طرفاَ أساسياَ فى الحرب التى شنتها السعودية على اليمن والقوات المصرية،ثم بعد ذلك نقلت إلى السعودية،فقد شملت هذه الأسلحة النوعيات التالية:
- 2000 رشاش عوزي إسرائيلي الصنع.
- 200 رشاش براونج.
- 100 مدفع هاون عيارات مختلفة.
- معدات عسكرية وتجهيزات أخري. وقد كان لهذا بالطبع أثرة على استنزاف القوات المصرية باليمن،وما تلا ذلك من نكسة عام 1967،هذا ما يكشف النقاب عنه الجنرال " أهارون يارين " رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق ومدير مركز بافية للدراسات الإستراتيجية فى جامعة تل أبيب فى معرض حديثه عن التداعيات الإستراتيجية لنتائج حرب 1967،والتى يعتبر أنها كانت بمثابة الضربة القاصمة والمميتة لعبد الناصر ومكانته فى العالم العربي حينما قرر أن الملك فيصل كانت قد اشتدت مخاوفه على نظام الأسرة السعودية بعد أن راحت كفة اليمن ترجح لصالح الانقلابيين والدعم المصري وظهور تصدعات داخل السعودية وحالات تبرم بل وتمرد فى أوساط وصفوف البيت السعودي،وقد دفعه هذا أن يطلب من رئيس وزراء إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية إلى مصر وشن حرب ضد عبد الناصر الذي وصفه بأن العدو اللدود المشترك لكل من إسرائيل والسعودية كي يتم تخفيف الضغوط على الجبهة اليمنية.
ورغم أن جهود الوساطة التى بذلت قبل حرب 1967 لإيجاد حل للمشكلة اليمنية وتخفيف حدة التوتر فى العلاقات المصرية – السعودية كانت قد بدأت تؤتي ثمارها كما دشن ذلك واقعياَ اتفاقية جدة عام 1965..(*) .. إلا أن السعوديين على ما يبدو كانوا الأكثر شماتة والأكثر ابتهاجاَ! لما حل بعبد الناصر – عدوهم الأولي – فى حرب 1967 .. وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الباحثين العرب بكل صراحة قائلاَ: " إن الملك فيصل المهووس بنزعة الانتقام والعداء لعبد الناصر ولحركة التحرر فى المنطقة العربية .. والمتطلع إلى الإطاحة بالحركة الناصرية- كي يفسح المجال أمام قيادة سعودية للمنطقة – كان يعبر عن شماتته وابتهاجه وعن آماله فى أن تحتكر السعودية دور القائد وتنزعه عن مصر " وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأ جميع العرب يستشعرون مرارة الهزيمة .. وقد أتاح المؤتمر الطارئ للملوك والرؤساء العرب الذي عقد فى الخرطوم فى 19 أغسطس 1967 الفرصة للنظر فيما آلت إليه أوضاع الأمة العربية فى أعقاب هذه الهزيمة وتوصل الطرفان المصري والسعودي إلى اتفاقية عرفت باسم اتفاقية الخرطوم جاء فيها:
• تكوين لجنة ثلاثية من (العراق – السودان – المغرب ) يعهد إليها علاج المشكلة.
• تضع اللجنة الخطط المناسبة لضمان انسحاب القوات المصرية من اليمن ووقف المساعدات العسكرية المقدمة من السعودية إلى الملكيين.
• تقوم اللجنة بكل ما في وسعها لتمكين اليمنيين من التحالف والتآلف لتحقيق الاستقرار.
• تتشاور اللجنة مع السعودية ومصر فى كل المشكلات التى تعوق تقدمها بغية تذليلها.
ومن هذا المنطلق بدأت القيادة المصرية تخفيض حجم التزاماتها العسكرية نحو اليمن،وفى نوفمبر 1967 تمت الإطاحة بعبد الله السلال وشكلت حكومة يمنية جديدة برئاسة القاضي عبد الله الإرياني .. وخلال فترة حكم الإرياني (1967-1974)،وما تلاها من فترة حكم الحمدي(1974-1978) وكذا الفترة المؤقبة التى تولي خلالها الغشمي (أكتوبر 1977-يوليو 1978) لجأت السعودية إلى إلهاء اليمن ببعض المساعدات الاقتصادية حتى تنسي حقوقها التاريخية،ولكن عبثاَ فإن الدول شأنها شأن الأفراد من الصعب عليها نسيان مالها أو ما عليها.
ـــــــــــــــــ
(*) كان أهم ما نصت عليه اتفاقية جدة عام 1965 ما يلي:
• الوقف الفوري لإطلاق النار وتشكيل لجنة سلام مشتركة من السعودية والجمهورية العربية المتحدة للإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة الحدود والموانئ وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تستخدمها اللجنة لمنع أي انتهاك للاتفاقية..,أي عمل يقصد من ورائه إعاقة تطبيقها.
• الإيقاف الفوري من جانب السعودية لمساعداتها العسكرية للملكيين .
• إجراء استفتاء عام في موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966،والذي يمكن الشعب اليمنى خلاله تقرير شكل الحكومة التى يرغبها.
• عقد مؤتمر يجمع كافة القوى الوطنية والشخصيات القيادية فى اليمن بمدينة " حرض " بتاريخ 23 نوفمبر 1965 لتقرير نظام الحكم وتشكيل حكومة مؤقتة.
|