ثم أرسل بعده كامي بن شعيب عام 1810 أمير عسير وألمع حيث حاصر ميناء اللحية ثم دخلها وكذلك فعل مع الحديدة، وعندما رأى أبو مسمار رجحان الكفة لغير صالحه عقد صلحاً مع الأمير سعود على أن يدفع خراجاً سنوياً له ويتنازل عن صبيا وبيشة.
وتمكن السعوديون من الوصول حتى نجران (1805 م) دون أن تتمكن الفصائل السعودية من الإستقرار فيها كما يقول صاحب كتاب (المطامع السعودية التوسعية في اليمن)، كما أنهم حاولوا الوصول إلى حضرموت مرتين عام 1224 هـ (1809 ـ 1810 م) و1226 هـ (1811 م) ولكنهم هزموا.
واستمر أبو مسمار على تلك الحال إلى حين وصول الحملة المصرية إلى الحجاز حيث بدأ بمكاتبتهم وفي. النهاية تمرد عليهم حتى سقطت دولته عام 1232 هـ، ثم تلاها سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1233 هـ (1818 م) على يد قوات محمد علي باشا حاكم مصر "حيث حل محل النفوذ السعودي في هذه المنطقة حتى بلغ تعز باستثناء منطقة صعدة، حصن الإمامة الحصين، والمنطقة الجنوبية (من اليمن) التي كانت قد وقعت تحت السيطرة البريطانية منذ عام 1839 إلى ولاية تركية بعد خروج جيش محمد علي عام 1840 من اليمن والجزيرة العربية كلها ، "فتسلم عسير الشريف حسين شريف( أبو عريش )الذي كان مؤيداً للمصريين وظل يحكمها حتى عام 1849 . وبعد وصول الغزوات العثمانية الثانية عام 1849 استكملت الغزو عام 1872 م، حيث توالت الإنتفاضات ضدهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 حينما انسحب الأتراك.
دور الأدارسة في عسير: في عام 1908 وصل إلى صبيا (إحدى جهات المخلاف السليماني) رجل من نسل الأدارسة هو محمد بن علي بن أحمد بن إدريس محملاً بالطموحات السياسية، فالتف حوله الناس وكون قوة، فارتابت منه الحكومة العثمانية، وحاول في عام 1910 م (1328 هـ) احتلال أبها إلاّ أنه لم يستطع نظراً للدعم الذي وصل إليها من الشريف حسين بطلب من الحكومة العثمانية، ولكنه عقد اتفاقاً مع إيطاليا وحصل على المال والسلاح الذي استطاع بهما الإستيلاء على صبيا وجيزان وأبى عريش.
ولكن نظراً لعدم استمرار الدعم الإيطالي فقد توجه إلى بريطانيا وعقد معاهدة صداقة معها في أبريل 1915 م بواسطة المقيم الإنجليزي في عدن، وطلبت منه بريطانيا التحالف مع الشريف حسين ضد الأتراك، وقد ساعدته السفن البريطانية على احتلال القنفذة الأمر الذي لم يرضِ الشريف ووقع خلاف حولها هدد فيها الشريف حسين الإدريسي بتغيير الولاءات السياسية عدة مرات، حتى استولت القوات التركية عليها؛ إلى حين جلائها عن الجزيرة العربية ثم هزيمة الشريف على يد الدولة السعودية.
وكمكافأة على وقوف الإدريسي مع بريطانيا جعلته الحاكم في منطقة عسير، "وأصبحت حدودها تمتد من القنفذة شمالاً، حتى مخا في الجنوب، ونجد في الشرق، والبحر الأحمر في الغرب" وهنا أحس الشريف حسين بتعاظم شأن الإدريسي فقام بإغراء أبناء أسرة آل عياض بالثورة عليه، فوجد الإدريسي نفسه في حرج .. فالشريف حسين في الشمال، والإمام يحيى في الجنوب والمتمردون من الداخل، فما كان منه إلاّ أن "كتب إلى ابن سعود ـ سلطان نجد ـ يطلب منه نجدته وإعانته على إخماد نار الثورة الداخلية التي قام بها آل عايض وأتباعهم، فما كان من ابن سعود إلاّ أن استجاب لطلب جاره" "وارتبط الإدريسي باتفاق دفاعي هجومي مع أمير نجد في 30 من أغسطس 1920 بعد أن اشترطوا عليه هدم القباب والأضرحة والمزارات، "وتنص الاتفاقية على تخلي الإدريسي عن يام ـ أي نجران ـ وعن بني جماعة وسحار لصالح ابن سعود "وعندئذٍ أرسل إليهم سرية بقيادة ابن عمه الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي ومعه ألفان من الجنود، وكان ذلك في شعبان سنة 1338 هـ / 1921 م وعندما اقترب من أبها خرج عليه ابن عائض فقام عبد العزيز بن مساعد بإرسال حسن وابن عمه محمد آل عايض إلى الرياض وتعاهدا على التضامن مع آل سعود، ولذا أمر محمد بن عايض على أبها أما حسن فبقي على موقفه. وعندما اطمأن الإدريسي إلى استقرار حكمه بدأ التفكير في التوسع، وتخلت له بريطانيا عن ميناء الصليف واللحية ومحيطها ، وعندما غادروا الحديدة في 31 يناير 1921 قاموا بتسليمها إليه، فقامت قواته بالإستيلاء على مناطق غرب صنعاء، "وبذلك تلامست حدود إمارة الإدريسي مع منطقة نفوذ الإمام يحيى الجبلية، ووقفت جبهتان في وجه بعضهما البعض، كانتا تمتدان من باجل في الجنوب إلى غرب صعدة في الشمال .
وقد أثار هذا الوضع الإمام يحيى شد ما إثارة حيث أصبحت مملكته معزولة عن العالم، فعرضت عليه بريطانيا إعطاءه الحديدة على أن يعترف بإمارة عسير، ولكنه رفض ووقعت مناوشات عديدة بينه وبين الإدريسي الذي عيّن محمد طاهر رضوان كقائد لحملاته، وهكذا ظلت إمارة عسير هي المتفوقة إلى أن توفي الأمير محمد علي الإدريسي في 20 مارس 1923 م، فتولى الإمارة إبنه الأكبر علي بن محمد علي الإدريسي ووقعت نزاعات عائلية عديدة أدت إلى ضعف الإمارة مما أدى إلى زيادة أطماع الجيران فيها.
فقام الإمام يحيى بمهاجمة الحدود الجنوبية لإمارة عسير عام 1925، وتمكن من الإستيلاء على مناطق استراتيجية مثل الحديدة واللحية والصليف وباجل، وحصلت مفاوضات عزل فيها الأمير علي وعين عمه الحسن الإدريسي على أن تضم الحديدة والمناطق المحيطة بها إلى الإمام يحيى ويظل أمير عسير خاضعاً لصنعاء. وعندما رأى الحسن الإدريسي نفسه ضعيفاً توجه إلى بريطانيا فلم تنصره فتوجه إلى الحليف القوي ابن سعود، "فبعث وفداً في أوائل فبراير 1926 / رجب 1344 هـ، إلى مكة المكرمة، برئاسة محمد بن هادي النعيمي لمقابلة الملك عبد العزيز آل سعود، وبعد أن قدم الوفد فروض الولاء والطاعة للملك، طلب منه أن يقف مع الإدارة الإدريسية في صد العدوان الذي يتهددها من قبل الإمام يحيى ولكن ابن سعود كان مشغولاً آنذاك بتثبيت حكمه في الحجاز فلم يستجب له، فما لبث أن أرسل وفداً آخر في مايو 1926، وبين أخذٍ ورد حتى أكتوبر 1926 حيث "جرى توقيع اتفاقية بينهما وسميت هذه الاتفاقية "باتفاقية مكة"، جاءت متضمنة لما ورد في الإتفاقية القديمة التي عقدت بين الملك ابن سعود والأمير محمد الإدريسي، حيث خططت بموجبها الحدود بين البلدين، وتكفل فيها الملك ابن سعود بحماية الإمارة الإدريسية في أي مفاوضات أو معاهدات أو منح أي امتياز أو التنازل عن أي قطعة من أرض عسير لأي حكومة أجنبية إلاّ بموافقة الملك ابن سعود، على أن يعترف الملك ابن سعود بالإدريسي حاكماً على عسير طيلة حياته، وتؤول إلى ورثته من بعده .  
وهكذا أحكم ابن سعود الطوق على إمارة عسير، وفي عام 1927 م / 1346هـ عين ابن سعود ممثلاً له في صبيا، وهكذا وبالتدريج أخذت الإتفاقية بعداً أوسع عندما بدأ ابن سعود في التدخل حتى في شؤون الإدارة الداخلية لعسير .. وهكذا أصبح منصب الإدريسي شكلياً وقلصت صلاحياته إلى حدٍ بعيد واستمر الوضع على هذا الحال حتى أواخر سبتمبر 1932 م عندما "أبرق فهد بن زعير أمير منطقة عسير وعامل الملك ابن سعود إلى عاهله يبلغه بأن الإدريسي قد اجتمع سراً في (اللحية) مع الشنقيطي والأبيض من جماعة حسن الدباغ (وهم أعضاء في حزب الأحرار الحجازي المناويء للحكم السعودي جنوبي البحر الأحمر) حيث قاموا بتحريضه على إعلان الثورة ضد الملك ابن سعود، وأنهم قد أمدوه بالمال الكثير، ووعدوه بمساعدة "عبد الله بن الشريف حسين"، أمير شرق الأردن، وأن الإمام يحيى سوف يساعده كذلك ، وكان ذلك هو ما حصل بالفعل، حيث بدأ أعضاء حزب الأحرار نشاطهم في وسط القبائل لتحريضهم على الثورة ضد عامل ابن سعود، وقام الإدريسي بتوزيع السلاح على رجال القبائل الموالية له وبدأ بمهاجمة الحامية السعودية في جيزان في 4 نوفمبر 1932 / 6 رجب 1351 فغضب ابن سعود وأرسل رسالة إليه ولكنه لجأ إلى الحيلة حيث طمأن ابن سعود وقال له إن المسألة لا تتعدى سوء تفاهم بينه وبين الأمير فهد بن زعير، وأعلن استمرار ولائه له، ووافق على إرسال لجنة تقصي الحقائق، ولكن ما أن وصلت هذه اللجنة حتى كانت جيزان قد سقطت في أيدي رجال الإدريسي (6 نوفمبر 1932)، وحينذاك تحركت القوات السعودية واستعادتها، وفر الإدريسي إلى اليمن وطلب حق اللجوء السياسي من الإمام يحيى الذي أعطاه إياه على الفور فقامت القوات السعودية باحتلال مناطق واسعة منها صبيا، المضايا، نشار، أبو عريش، الزبارة، وفي الوقت نفسه أصدر ابن سعود أمراً بضم إمارة عسير إلى المملكة العربية السعودية، كما أبرق إلى الإمام يحيى طالباً منه تسليم الإدريسي .. وهكذا أسقط حكم الأدارسة على منطقة عسير وإلى الأبد.

جمال عبد الله

عــودة