|
?
نقطة التحول الأساسية في تاريخ مملكة الحجاز، ، تمت في أيلول (سبتمبر) 1932عندما أعلن عبد العزيز آل سعود دمج مملكة الحجاز في مملكته النجدية على الرغم من انه كان قد أعلن في خطاب ألقاه في مكة عن رغبته في إبقاء نوع من الاستقلالية للإشراف الحجازيين وللعلماء والتجار الحجازيين وللهيكلية الإدارية في الحجاز.
ومع مرور الزمن، اضمحلت هذه الهيكلية الحجازية الإدارية وأصبحت تحت هيمنة الطغمة النجدية.
وأدت سيطرة نظام آل سعود على الحجاز بالقوة العسكرية إلى نشوء حركات معارضة لدى سكان الحجاز فبعد سقوط جدة بأيدي النجديين ، تأسست جبهة حماية الحجاز في مصر، كما تأسس حزب التحرير الحجازي الذي يدعو إلى نشوء دولة مستقلة في الحجاز.
وقد منع الملك عبد العزيز بن سعود نشاطات أي حزب سياسي في الحجاز وأمر باعتقال أعضائه وهذا الموقف ما زال متبعاً من جانب السلطات الأمنية السعودية حالياً.
ونشير إلى أن الحجازيين كانوا ينظرون إلى أنفسهم (وينظر الناس إليهم) وكأنهم شعب مختار وخصوصا بسبب روابطهم القوية مع الأماكن الإسلامية المقدسة (مكة والمدينة تقعان في الحجاز) كما أن الحجازيين كانوا منفتحين على العالم ويملكون أجهزة إدارية متطورة نسبيا بالإضافة إلى هوية حضارية خاصة تشمل تقاليد وعادات تنظم شتى أمور الحياة والموت.
وقد حاولت مملكة آل سعود النجدية، ، القضاء على هذه الهوية الحضارية والعادات المرتبطة بها وأدى ذلك التهميش إلى محاولة الحجازيين تثبيت هويتهم عن طريق التعلق بعاداتهم وتقاليدهم وصاروا يميلون إلى تقوية علاقاتهم بالدول العربية والإسلامية المجاورة على حساب علاقاتهم بالمجموعات النجدية السعودية.
وأدى التطور الاقتصادي السريع في المملكة العربية السعودية بين 195. و198.، ، إلى انفتاح اكبر لمنطقة الحجاز إزاء باقي العالم وإزاء الأفكار والفرص التعليمية والتجارية فيه.
أما الآن، نقول وبحسرة، فقد تحولت منطقة الحجاز إلى كيان لا هوية له، وقد أزيلت هويتها رغماً عنها من خارطة المملكة العربية السعودية وصارت تسمى الإقليم الغربي ؛ وإذا سئل حجازي يسكن في المدن عما يعنيه الحجاز حاليا فانه سيجيب : الطائف، مكة، جدة والمدينة.
أما الحجازي الذي ينتمي إلى القبائل فانه يعرف نفسه بقبيلته أولا وبحجاز يته ثانيا.
كما أن الحجازيين يخشون تزويج بناتهم إلى النجديين بسبب ميل النجديين إلى التعامل مع الزوجة والزواج بطريقة مختلفة عن طريقة الحجازيين، فالحجازيون يحترمون دور المرأة على شتى الأصعدة، وخصوصًا في العائلات الشريفة ولا يحبذون كثرة الزوجات.
وتشير يماني إلى أن تركيز الحجازيين على ممارسة تقاليدهم، كما كانوا يفعلون سابقا، يؤكد رغبتهم في العودة إلى استقلاليتهم كما كان الوضع خلال الحكم الهاشمي للحجاز وقبل تعرضهم للغزو من جانب آل سعود.
ونؤكد أن عائلة آل شيخ النجدية وهي من سلالة محمد بن عبد الوهاب الذي أسس الحركة الوهابية وشارك مع الملك عبد العزيز في تأسيس الدولة السعودية، هي الآمر الناهي في الشؤون الدينية في المملكة العربية السعودية حاليا.
ونشير إلى انزعاج الحجازيين، وخصوصا النخبة منهم، من الهيمنة الاقتصادية والسياسية والدينية التي يمارسها آل سعود (مصاهرو السديريين) وآل الشيخ والمجموعات النجدية على حياتهم.
ويميل الحجازيون في المقابل برأيها إلى الرغبة في تقوية علاقاتهم بالشعوب العربية والإسلامية المجاورة، وخصوصا في مصر وسورية واليمن والأردن، و إلى التفاعل مع هذه الشعوب لأن عائلات الإشراف الحجازيين التي يبلغ عددها حوالي الـ 52 فهناك بعض منها يعتبر أنه من سلالة النبي محمد وقبيلة (قريش) شأنهم شأن الهاشميين.
كل العالم الإسلامي بفئاته وطوائفه ونخبه الحية وعلى مختلف لهجاته وعرقياته يعلم ان الحجاز الشريف اغتصب بفعل أياد سوداء هم نظام آل سعود منذ زمن وحكمت تلك المنطقة بالحديد والنار رغم معرفة النظام نفسه بان الحجازيين نخبة حية لهم في الثقافة والسياسة ما لم يجده نظام آل سعود في نفسه فالمتتبع لنظام آل سعود ومنذ اغتصابه للحجاز يرفض أية دعوة ويمتعض من كل صوت حر ينادي باستقلال الحجاز الشريف ويراهن بكل ما أوتي من قوة لسعودة الحجاز .
ومن ناحية أخرى فان رغم محاولات النظام السعودي ومنذ زمن طمس الهوية الحجازية إلا أنها فرضت نفسها بتنوعها الثقافي وبفعل النخب الحجازية الحية التي باتت تقتنع أن الحجاز لن يكون متسعوداً في يوم من الأيام , وها نحن نساند أهل الحجاز وأشراف الحجاز على استرداد حقوقهم المادية والمعنوية وتحريرها من الاستعمار السعودي الذي اغتصبها وشرد أهلها في فترة من الفترات وحاول طمس هويتها وأزاح مشايخها واستبدلهم بمشايخ الوهابية المتطرفين الذين أعطوا له حرية وشرعية البقاء .
نحن ومن هذا المنبر الحي نطالب أحرار العالم وكل المنظمات الحقوقية والإنسانية ومنظمة المؤتمر الإسلامي الوقوف إلى جانب أهل الحجاز في استرداد حقوقهم وسحب صلاحيات النظام السعودي من هذه المنطقة الشريفة.
إن ما يفعله أمراء نظام آل سعود في الحجاز هذه الأيام فاق كل تصور، وأصعب من أن يتحمّله عقل أو ضمير حرّ.
لم يكتف الأمراء بنهب الميزانية، ولا الاستحواذ على مفاصل الاقتصاد الوطني، ولا طرد الحجازيين من العسكر، وإبعادهم المنظم من ساحة السياسة، فالنظام السعودي حاول ومنذ زمن إقصاء الحجازيين وممارسة نوع من سياسة الإبعاد والنفي رغم معرفة النظام السعودي أن الحجازيين لهم دراية كبيرة بالسياسة والاقتصاد وإدارة الأمور داخل البلاد ويعرف النظام السعودي أن الحجازيين نخبة حية .
كما أبعدهم من ساحة القضاء ـ رغم قلة القضاة.. بل تعدوا حدودهم بمصادرة الأوقاف، ومنحها لبعضهم البعض، خارقين كل حرمة دينية، وكل حق شرعي.
لم تكن السيطرة على قلعة جياد من ملاكها والأراضي التي حولها الأولى والتي قدرت قيمتها بثلاثة مليارات ريال هي الحالة الأولى، فمسلسل المصادرة مستمر، وشركات ابن الملك المدلل عبد العزيز والأمراء الآخرين تأتي على أبسط الموارد المالية للحجازيين.
إنه نهب للبنايات والأراضي دونما تعويض للقائمين على الأوقاف، ودونما اتفاق.
فجأة يصحو المرء ليجد أرضه قد أصبحت فندقاً لأمير، أو جزءً من ممتلكات إحدى شركات الأمراء.
فجأة ترى بنايات الأوقاف قد تملكها مشعل بدون أوراق وبدون محاججة! لم تكن أوقاف أمين عطاس إلا جزءًا يسيراً منها.
إنها دولة النهب.. دولة من لا يريد مقاماً في الحجاز! يسرق ليهرب!! كلما زادت عنجهية الأمراء، وزاد فسادهم وطغيانهم، فذلك مؤشر قريب على نهايتهم.
ومع نجاح نظام آل سعود في ضم المناطق الحجازية وعلى رأسها مكة والمدينة وجدة إلى حكمه بدأت شمس الحجاز المتنوعة بالغروب لصالح أحادية التمثيل والسيادة النجدية المتحالفة مع المذهب الوهابي المتشدد ؛ على أن ذلك الغروب لم يكن مودياً, إلى اندثار أو موت الهوية الحجازية التي ظلت تشتعل كما كانت وإن يكن بهدوء أو من دون ضجيج .
لكن كيف "صمدت" الهوية الحجازية إلى هذا الوقت وظلت تحافظ على خصوصياتها رغم المحاولات الفوقية للدولة لفرض "سعودة" شاملة تطال كل مناطق الجزيرة العربية ؟
إن تلك الهوية لم تختر لا الصدام المباشر مع السلطة المركزية وحكم آل سعود , ولا التعبير عن نفسها بشكل مباشر أو فج إذ لم يكن لها أية أجندة سياسية ولم تدع إلى فصم الحجاز والعودة بالتاريخ إلى الوراء.
هنا , وعند نفي " مي يماني" الواضح لأي تفسير لكتابها قد يُفهم منه أنها تدعو إلى ذلك,
صحيح أن دعوتها لإعادة الاعتبار للهوية الحجازية فيها تحقيق القوة الحقيقية لمشروع التوحد.
كما تقول, أي أن الاعتراف بالتنوع وتقديره وعدم محاولة لجمه بقوة السياسة أو قوة المذهب يعطي منعه لأي مشروع توحيدي على عكس ما قد يُظن ظاهراً.
فالمجتمعات برمتها, وليس العربية والإسلامية فحسب, ليست مقدودة على مقاس واحد, بل فيها تنويعات واختلافات وطوائف وتجمعات متباينة, وهذا مما لا يضيرها بالتعريف.
بخلاف ذلك فإن محاولة قمع الهويات المحلية ومطاردة تعبيراتها الثقافية والاجتماعية والدينية هو المهدد الأكبر للوحدة الوطنية المأمولة ؛ فالذي يحدث في هذه الحالات هو أن تلك التعبيرات لا تختفي, ولكنها تغيب عن الواجهة المرئية فيما تظل تعمل في الخلفية الاجتماعية لهذه الشريحة أو تلك.
وهكذا فإن الأشكال المميزة لأية هوية تخلق لنفسها فضاء خاصاً بها وطرائق لتموه على أنماط القسر والرغبة الفوقية الحاكمة بصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية أو قومية جامعة.
وهذا في الواقع الممارس تاريخياً لا يقود إلا إلى نتيجة معاكسة لما تريده السلطة الفارضة, أي أنها تعزز خصوصية تلك الهويات بدل أن تخفف من حدتها ؛ وتاريخ القرن العشرين يعج بالأمثلة الساخنة, أبرزها المشروع السوفيتي في تخليق هوية قومية جامعة للمجتمعات المنضوية تحت اتحاده, والمشروع اليوغسلافي الذي قام على فكره مشابهة, وكليهما فشل فشلا ذريعاً, حيث عادت الهويات الوطنية والفرعية إلى الظهور والتعبير عن نفسها بتطرف وحدة جارفة في أكثر الأحيان.
في المقابل كان النجاح حليف الاتحادات الديمقراطية التي لم تكن مهجوسة بجرف الهويات الفرعية والإقليمية بل تركتها على حالها وراهنت على الزمن وتبادل المصالح وحركة المجتمع الذي مع مرور السنين هذب من تلك الهويات وحجمها وبالتالي لم تعد مصدر خطر على الوحدة الوطنية لكن من دون قسر أو قمع, كما في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.
وللإنصاف الموضوعي ليست حالة السعودية مشابهة من قريب أو بعيد لحالة الإتحاد السوفيتي أو اليوغسلافي في التوحيد القسري, إذ أن عوامل التوحد السعودي أوسع وأشمل وأعمق بما لا يقارن.
لكن ما يُراد الإشارة إليه هنا هو مسألة كيفية التعامل مع الهويات الفرعية وهو تعامل يجب أن لا يحكمه التوتر والقهر ومحاولة التهميش.
ما تشير إليه " مي يماني " من ظواهر وسياسيات لمحو "الحجازية" من الفضاء السعودي, وبفرض أن ما تشير إليه يحدث فعلاً على أرض الواقع, لا يمكن بحال أن يخدم الهوية الوطنية العامة.
فما الفائدة من محاولة تغيير اسم الحجاز إلى "المنطقة الغربية" سوى إثارة "النعرة الحجازية"؟ وماذا يخدم تفادي استخدام اللفظ بحد ذاته في وصف بعض العادات أو أنواع الأكل أو اللباس, فلا يُقال مثلاً هذا الطعام حجازي أو هذه العادة حجازية؟ لكن, لم يؤد ذلك, كما تشير يماني, إلا إلى عودة الهوية الحجازية بشكل أكثر ترسخاً.
وتحاول الكاتبة إثبات ذلك في الفصول التي خصصتها لتقاليد الزواج, وتقاليد الموت والدفن, وتقاليد اللباس, وتقاليد الطعام, وسائر تفاصيل الحياة الاجتماعية.
إضافة لذلك فهي تنظر باهتمام وانتباه إلى دور العوائل الحجازية في الحفاظ على الهوية الحجازية وتعبيراتها المختلفة, بدءا بالأسماء التي تطلق على المواليد الجدد وحتى أساليب دفن الموتى.
والعوائل تلك تتوزع على أكثر من فئة, فمنهم فئة الأشراف أي السادة الهاشميين, وفئة المطوفين, وفئة العلماء, وفئة التجار.
|