نظام آل سعود: حملة لاحياء القبور أم هدم للقصور

? يوماً بعد يوم تتبلور ملامح حركة حجازية تعني بالحفاظ على ما تبقى من آثار اسلامية في مكة المكرمة وغيرها من مناطق الحجاز.. لقيت هذه الحركة التراثية والثقافية في ظاهرها والسياسية في أبعادها تجاوباً من قبل الصحافة العالمية والعربية.
خرجت عدة مقالات في الصحف الغربية والعربية منطلقة من وجهة نظر واضحة وصريحة، كل هذه المقالات تدين النظام السعودي وتتهمه بممارسة حملة تطهيرية قضت على الكثير من المعالم الأثرية الإسلامية في منطقة الحجاز كالقباب المبنية على القبور والمقابر والمباني المشيدة عليها بالاضافة إلى بعض المساجد القديمة والمنازل المرتبطة بتاريخ الإسلام الأول.
 اعتمدت هذه المقالات على مقابلات مع رموز حركة إحياء التراث الإسلامي من كتّاب ومثقفين ومختصين بالتراث وعلم الآثار.
الكل يدين ما يسمونه بالهيمنة السعودية ـ الوهابية على الإرث الإسلامي العالمي وفرض نمط معين من التفسيرات والممارسات الدينية ليس فقط على سكان المنطقة بل على من يزورها من مسلمي العالم وكذلك فرض المذهب الواحد الذي همش وحتى ألغى التعددية المذهبية ورسخ الاقصائية إلى ما هنالك من تهم وأوصاف ونعوت تعودنا على سماعها من معارضي الهيمنة السعودية بكافة أشكالها السياسية والثقافية والاقتصادية والمذهبية على منطقة الحجاز.
وبينما حركة إحياء التراث الإسلامي الأثري تنشط في المجال العالمي تظهر بشكل مواز لها بعض الادبيات التي تحاول جاهدة لتثبيت وبلورة هوية ثقافية للاحياء من سكان منطقة الحجاز.
يعتمد هؤلاء على قاعدة ما يسمى بالعادات والممارسات الاجتماعية والطقوس الدينية واللغة المحلية أو بالأصح اللهجة المحلية الحجازية كأساس لهذه الهوية المزعومة المشتركة بين أبناء المنطقة هذا بالاضافة إلى منظورات التعددية العرقية والتي جعلت مدن الحجاز تشتهر بانصهار الأجناس والأعراق وهو ما يميز هذه المدن عن الريف الحجازي حيث سكنت قبائل ربما لم تختلط مع غيرها من الوافدين إلى المنطقة بسبب الحجج. تشكل هاتان المحاولتان أي محاولة احياء التراث الاثري ومحاولة احياء تراث الاحياء الثقافي بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين المركز الرياض وهو المركز السياسي والمركز الديني المتمثل بالحجاز.
اطلت هاتان المبادرتان في مرحلة حرجة على الصعيد الداخلي السعودي والاقليمي العربي. تشهد المنطقة كلها حالة إعادة صياغة للهويات بجملتها فبينما ترفع الانظمة شعارات جديدة على مسامع مواطنيها كشعار هذا الوطن اولا والذي قد فسره البعض على أنه تنصل من مسؤوليات عربية تقع خارج حدود القطر الجغرافي نجد أن شعوب المنطقة بمثقفيها وعامتها تدور في حلقة تحاول أن تصيغ من خلالها مفاهيم وشعارات ضيقة.
فالكل اليوم ينبش المخزون الاقليمي والطائفي والمناطقي والحضري والبدوي. يحصل هذا في حلبة تتسم بهيمنة خارجية غير معهودة. يجب أن نقيم حركة احياء التراث الاسلامي المنطلقة من الحجاز ومحاولات صياغة الهوية الجديدة (القديمة طبعاً) من باب العلاقة بين المركز السعودي السياسي والطرف.
(مع الأسف أصبح الحجاز طرفاً سياسيا رغم أنه المركز الديني) إحياء التراث الإسلامي لا يلقى صدي في الحجاز فقط بل انه يجد تجاوباً مع مجموعات مسلمة اخرى منها مثلا أبناء الطائفة الشيعية والذين هم أيضاً يعتبرون الإرث الإسلامي لآل البيت قد تم طمسه في اماكن كمقبرة البقيع. كان آخر هذه المحاولات ما قام به مقتدي الصدر عندما زار الملك عبد الله في الرياض العام الماضي. الكل يعلم أن محاربة هذه الآثار الاسلامية لها تاريخ طويل بدأ عندما تمت الهيمنة السعودية على مكة في بداية القرن التاسع عشر ثم انحسرت وعادت من جديد عام 5291 وهو العام الذي سقطت فيه مدن الحجاز في القبضة السعودية.
كيف لنا أن نفسر ظاهرة احياء التراث هذه؟ نحن أمام عدة خيارات. الأول: هل هذه محاولة مباشرة لتدوين تاريخ المعول السعودي والذي حسب ارشيف حركة احياء التراث قد هدم معظم الآثار العريقة في المنطقة من أجل الحفاظ على ما تبقى منها؟ طبعا هذا هو الهدف المعلن والذي يتردد دوما في تصريحات النشطاء في هذا المجال.
ولكن أي تحليل لا يتخطي هذا الطرح هو قاصر على قراءة الوضع الحالي والمحلي الذي يدور في بيئة قد تغيرت ملامحها من خلال التدخل الاجنبي الواضح في العراق والتوسع الامريكي في المنطقة بالذات.
نتساءل هل يا ترى حركة إحياء التراث هي محاولة استباقية تمهد لمشروع تجزئة السعودية واقامة دولة الحجاز مثلا؟ هل هذه الحركة تستند على اجندة انفصالية قد تتبلور في المستقبل؟ أم هل هي يا تري محاولة لإخراج الأماكن المقدسة من الهيمنة السعودية ووضعها تحت هيمنة إسلامية تشترك فيها الدول الإسلامية؟ التساؤل الأخير مبني على طروحات كنا قد سمعناها تصدر من جهات كثيرة تخرج عادة مع مواسم الحج وخاصة عندما تحدث الكوارث التي تودي بحياة الحجاج إما بسبب الازدحام أو بسبب سوء التدبير من الجهات السياسية والأمنية السعودية.
التساؤل الاخير الذي نطرحه هو هل يا ترى هذه المحاولات يمكن اعتبارها محاولات لتقويض سلطة القصور السعودية عن طريق احياء تراث الآثار والقبور؟ لا بد لنا ان نذّكر بالخلفية التاريخية التي انطلقت منها حركة احياء التراث الاسلامي هذه.
تمت الهيمنة السعودية على منطقة الحجاز تحت منظور قطع دابر الشرك والمشركين وخير دليل على ذلك رسالة وجهها أحد أئمة الدعوة النجدية الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ إلى أمامه سلطان نجد حينها عام 8191 وقال فيها ما معناه إن الشيطان قد فعل فعله في منطقة الحجاز وعسير وبعد زيارة لهذه المناطق أخبره أنه قد رأى بأم عينه كيف أن هذا الشيطان يعيش في تلك الأرض ومع أهلها فسقط هؤلاء ولم يروا النور والهداية بل تمرغوا في جاهلية أسوأ من جاهلية كفار قريش قبل الرسالة المحمدية وها هم اليوم على هاوية جهنم اذ انهم يعبدون القبور ويقيمون الأضرحة عليها ويطلبون الشفاعة من الأولياء الأحياء منهم والاموات.
هذا الخطاب التاريخي القديم لم ينقطع بل استمر وهو مستمر حتى يومنا هذا وليس للمرء الاّْ زيارة المواقع الالكترونية وليس القبور ليرى كيف أن الاتهامات والاتهامات المضادة تتأصل وتزداد حدة مع بركات التكنولوجيا الاتصالاتية الحديثة. منذ البداية قام علماء الحجاز وأهمهم حينها مفتي مكة الشيخ أحمد دحلان الشافعي بالرد على اتهامات التكفير الجماعي لمنطقة الحجاز فكتب كتابا عنوانه الدرر السنية في الرد على الوهابية يبرئ فيها منطقته وأهلها من هذه التهمة الخطيرة ووصمة القبوريين التي روجت في الخطاب السياسي والديني السعودي عندما يذكر أهل الحجاز في مروياتهم. نستطيع أن نجزم أن حركة إحياء التراث الإسلامي في الحجاز هي نافذة نطل منها على مستقبل السعودية وليس ماضيها إذ أن هذا الماضي سيبقي في الأرشيف حتى يحين موعد كتابته.
نعتقد أن هذا المستقبل إما سيكون خطيراً للغاية وذا عواقب وخيمة على الجميع أو سيكون فرصة تاريخية لإعادة صياغة وحدة الجزيرة العربية على أسس ثابتة لا مجال فيها لهيمنة مركز واحد وتهميش للأطراف والتي قد يكون بعدها الديني أهم بكثير من المركز السياسي الوقتي. نستطيع أن نجزم أن معركة إحياء التراث الإسلامي هي معركة سياسية بالدرجة الأولى وما تاريخ القبور وتراثها إلاّ محاولة لدفن القصور في منطقة هي بالدرجة الأولى إرث لكل المسلمين وليس فقط لمن سكن واستوطن الحجاز ومن هيمن عليه سياسياً رغم أن تدابير أمور المنطقة الدينية والحياتية لا بد أن يكون لسكانها المحليين أولا وأخيراً بسبب ارتباطهم تاريخياً ومكانيا بهذا الإرث العالمي ومن مبدأ أهل مكة أدرى بشعابها.
 منذ فترة والنظام السعودي يرصد محاولات أهل الحجاز ولكنه خرج عن صمته مؤخراً وأعلنها حرباً على صفحات الكتب حتى هذه اللحظة إذ ظهرت بعض الأدبيات التي تدين دعاة الهوية الحجازية بشكل واضح وصريح.
أعتقد أن المعركة لم تتضح معالمها حتى الآن ولكن نجزم أن محاولة حماية الإرث الإسلامي الأثري يعرضها بشكل تلقائي لهجوم مضاد يلعب على الخوف من التمزق والتشرذم ودعوات الانفصال خاصة في نظام سياسي يتخبط في شرعيته لا يدري هل هي السلفية الدينية أم الليبرالية الغربية أم الانفتاح الاقتصادي أم السيف؟ يعلم النظام أن الكثير من أبناء البلد عندهم ربما حساسية زائدة من موضوع القبور وزوارها فهو مستعد أن يجند هؤلاء في حرب سياسية لا علاقة لها بالطقوس والممارسات الدينية كما فعل في السابق ، ولا بد لنا أن نعترف أن زيارة القبور من أجل التبرك أو الصلاة أو النحر أو حتى الذكرى هي من الأمور التي مزقت وقسمت ولم توحد.
فيجب على كل مخلص أن يركز على القواسم المشتركة وليس ما يثير الجوانب الوحشية التي عادة تغذيها الانقسامات الفرعية. هذا الموقف الذي ندعو له لا يعني ولا يجب أن يعني مهادنة السلطة القمعية المركزية التي فُرضت في السابق بالسيف وعلى جثث الكثير في الطائف وغيرها من المناطق الحجازية يجب على حركة إحياء التراث أن تتجاوز الأحجار والقبور والآثار وتطور ذاتها لتصبح حركة شاملة معنية بالإحياء وخاصة حاضرهم ومستقبلهم. على هذه الحركة أن تقف موقفاً جريئاً وتبحث عن جسور ليس فقط مع ريفها القروي الحجازي وإنما مع الفعاليات الأخرى في المناطق المتعددة التي تتكون منها الدولة السعودية.
عندها فقط ستخرج هذه الحركة من تهمة الانفصالية والمناطقية في مرحلة تاريخية خطيرة تعاد فيها محاولات رسم الخرائط والجغرافيا ،  يجب على الجميع أن يستفيد من تجارب الشعوب الأخرى خاصة تلك المتصفة بالتعددية الثقافية والمذهبية.
تجربتنا في الجزيرة قد تكون سهلة وأكثر سهولة من تجارب الأمم الأخرى في الشرق والغرب من بريطانيا مروراً بسويسرا وانتهاء بالهند ذات التعددية العرقية والدينية ، ففي الجزيرة كلنا عرب وكلنا مسلمون وأن فرقتنا الممارسات الاجتماعية واللباس واللهجة والعادات والتقاليد.
ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا ولكن لا ننسى أن التفرقة بيننا كانت من أهم المخططات السياسية التي انطلقت تحت شعار إعادتنا إلى الإسلام وهو شعار واه وصمنا بالكفر واختزل الرسالة المحمدية بل حتى أنه ألغاها عندما قرر ان الشيطان قد عشش في أقدس الأماكن رغم هذه الرسالة وانتشارها.
يجب على حركة إحياء التراث الإسلامي أن توسع نطاقها وتتبنى منظورات جديدة يتم على أساسها بناء هيكلية سياسية وإدارية يمكن الجميع من العيش في وحدة حقيقية قائمة على الاعتراف بالجميع وليس على منطلق التكفير والهيمنة السياسية والتي بنيت على مثل هذه المنطلقات. هذه الهيكلية الجديدة تضمن للمناطق المختلفة استقلالها المحلي وشخصيتها الثقافية وممارساتها الاجتماعية ومذاهبها المختلفة.
هذه الهيكلية لن تتم عن طريق مجالس بلدية محلية لم تستطع أن تحارب أنواعاً مختلفة من البعوض المسؤول عن حمم تفتك بسكان المنطقة فما بالك بتمثيل أهل هذه المنطقة. نحن هنا نتحدث عن تمثيل سياسي حقيقي ليس فقط للحجاز بل لجميع المناطق يأتي من خلال مجالس محلية تتمتع بقدر عال من الاستقلالية. كذلك نتحدث عن قضاء محلي ومحاكم محلية تدار من قبل قضاة المنطقة وليس اولئك الذين تصدرهم السلطة السياسية المركزية وحليفتها الدينية. كذلك نتحدث عن أعلام وصحافة محلية تعني بشؤون المنطقة الداخلية وثقافة اهلها واحلامهم وليس اعلاما مركزيا يفرض اخبار من استقبل وودع علي الجميع.
مثل هذه التطورات تتطلب اعادة النظر بالدولة المركزية وتوزيعها للثروة وهيمنتها الثقافية وقبولها بالتعددية القضائية والتربوية والاجتماعية.
عندها فقط سننتقل الي كيان لا يعتمد في مشروعه السياسي على مقولات الشرك والكفر والتخوين والعمالة والعنصرية إلى كيان يعتمد على المشاركة في صنع القرار والمساواة في توزيع الثروة المركزية.
في مثل هذا الكيان الجديد لا يوجد مكان لاحياء أمجاد زعامات سابقة ماتت ودخلت أرشيف التاريخ بل هناك المكان لزعامات تمثل الشرائح الجديدة وتطلعاتها ندق لكم ناقوس الخطر القادم وبصراحة واضحة حتى لا نتفاجأ بمخططات تطبخ اليوم على نار هادئة ، يجب على الجميع أن يتمسك بوحدة هذه الجزيرة ككيان يحتضن أهم المقدسات وأكبر الثروات.
هذه الوحدة لا تهددها سوى عنجهية المركز السياسي والتي يقامر عليها الخارج من أجل تمرير مشاريع لا تخدم إلاّ مصالحه. مشروع احياء التراث والقبور لن يعيد الأموات إلى عروشهم والحل في اللامركزية السياسية التي تضمن حقوق الجميع وتعترف بشخصيتهم المحلية. وربما يأتي اليوم الذي نرى فيه مشروع الولايات العربية المتحدة يتطور ويزدهر ويكون مثالاً يتطلع إلى الانضمام إليه إخوان لنا في اليمن والخليج بجميع دويلاته، سيأتي هؤلاء من منطلق المساواة واحترام المحلي وليس من مبدأ هيمنة الأخ الأكبر.

د.مضاوي الرشيد

عــودة