|
?
على أرض اليمن قامت دولة لم تلق الأفكار حتى البسيطة منها دوراً في تأسيسها منذ بداية ثورة 26 سبتمبر، في الشمال وأكتوبر في الجنوب، مروراً بدولة الوحدة عام 1990 م.
فالثورة اليمنية وشعارها وعلمها، ومؤسساتها وقوانينها هي إحدى منتجات (صنع في مصر) بهندسة جمال عبد الناصر؛ إذ لم تلعب الأفكار التحريرية والقومية في بناء الدولة اليمنية.
فكان الهدف الأساسي لثورة اليمن هي ممارسة آل سعود سياستها الخاطئة حينذاك بالمنطقة، وتدخلها المباشر في الانفصال المصري السوري عام 1961 م وبالتالي اندلعت ثورة اليمن عام 1962 م مستمدة من ثورة أكتوبر المصرية باتجاهاتها ورجالها.
نلاحظ أن ثورة اليمن في بدايتها كانت أداة بيد القائد العسكري المصري لتنفيذ سياسات مصرية بحتة بالمنطقة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية؛ فكان هذا القائد يشكل الدولة ووزاراتها، ويصدر القرارات والمراسيم، ويعمل على تشكيل هيئات ومؤسسات الدولة، فوضع لها دستوراً وسن لها قوانين التي رأى أنها تساعده في تحقيق أهداف وغاية (القاهرة)، وما يؤيد هذا القول، هو اختلاف رئيس دولة اليمن الأسبق عبد الله السلال مع وزرائه، فاستدعت دولة اليمن من قبل القاهرة لحل الخلاف، فلبت الدعوة وعند وصول معالي دولة اليمن معظم وزرائه احتجزوا لأكثر من شهر بالقاهرة.
فكتب أحد المحتجزين (النعمان)، مخاطباً نظام القاهرة "كنا ندعو في اليمن إلى حرية القول، والآن ندعو بالقاهرة إلى حرية البول".
في السياق ذاته لم يستمر النفوذ المصري على اليمن وثورته، إذ نشب صراع دولي مصري سعودي في اليمن، بدأ منذ عام 1962 إلى 1968، حتى تم الاتفاق بين الجانبين المصري والسعودي على تسليم الملف اليمني لنظام آل سعود.
وفعلاً استلم نظام آل سعود زمام اليمن وثورتها، فسعوا إلى تجريد ثورتي سبتمبر وأكتوبر من طابعهما الفكري القومي العربي، نجحوا نوعاً ما بثورة الشمال، وأخفقوا تماماً بثورة أكتوبر الجنوب، مما نتج عند ذلك حروب بين اليمنيين دامت إلى التسعينيات إضافة إلى حرب جنوب اليمن مع نظام آل سعود عام 1978م.
عند إعلان وحدة اليمن عام 1990 أرق نظام آل سعود من هذه البادرة الخطيرة والظاهرة المزعجة بالمنطقة وخصوصاً باليمن، فسعوا جاهدين بين ساسة ومشايخ القبائل اليمنية؛ لمحو هذه الظاهرة، فدقت طبول الحرب في عام 1994م، وكما يقول هيراقليطس "إن حرب آب صنعت من البعض آلهة ومن البعض بشراً، ومن البعض عبيداً، ومن البعض أسياداًً" وهذا ما أنتجته حرب صيف 94 بين أبناء اليمن بالفعل.
وبالتالي شعر المنتصر بعد الحرب هذه كأنه الأمير اورانزوي الذي أخذ بتعاليم ميكافيلي بعين الاعتبار؛ وكأنه أعاد مملكة أبائه وأجداده منه.
واعتقد أنه الأمير الوحيد الذي أخذ بنصيحة ميكيافلي القائلة " على السياسي الذي يتولى قيادة أو مدينة أو شعب ألا يتورع عن استخدام أحقر الوسائل في سبيل تنفيذ خططه وغاياته ".
مما أفرزت هذه السياسة السابقة لأمير اليمن احتقاناً سياسياً واغتراباً جماعياً وحرماناً اقتصادياً؛ والتفريط بتراب الوطن، والرضوخ لسياسة نظام آل سعود والقيام بخدمة مصالح نظام آل سعود وذلك بتخلي دولة اليمن عن الأرض والإنسان اليمني، والانتهاك السعودي للشعب اليمني أرضاً وإنساناً، وذلك بالاتجار بالرقيق الأبيض من أبناء اليمن إلى السعودية، وجعل اليمن سوقاً للمنتجات السعودية ولشركاتها.
وما لا شك فيه فإن نظام صنعاء بعد انتصاره على حد تعبيره في حرب 94 م كرّس كل جهده في خدمة نظام آل سعود، ولمصالحه الشخصية الضيقة؛ وإدعائه بالحرية والديمقراطية وانفراده بها في المنطقة، والأمن والاستقرار الذي يبالغ به في كل المحافل.
إلا أنه لم يدرك مفهوم الحرية ومعنى الأمن؟ فالحرية والأمن هي السنة الأساسية للأجيال وعدم هيمنة الخوف على الثقة بالذات، فالفرد يخاف أن يرى نفسه بلا عمل ويخاف أن يمرض ولا يجد سريراً بالمستشفى، ويخاف إذا جاع أن لا يجد خبزاً ويخاف أن لا يجد ابنه عملاً بعد إنها تعليمه.
وبالمثل فرجل الأعمال والتاجر ليس أقل خوفاً أن يخشى أن يفقد استثماراته ويستنزف أمواله التي يمتلكها في مصارف الدولة وبنوكها.
إن كل الأفراد وكل الطبقات تسعى لجعل وجودها الفردي يسند على الدولة وتميل لأن تتخذ منها ضماناً عاماً، هذه هي الحرية وهي معنى الأمن الذي يراد استلامه من الدولة.
وليس حرية وأمن نظام صنعاء القائلة، " قل أنت ما تريد وانأ أعمل ما أريد " وبالتالي انعدم الاحترام بين الشعب ودولته، وكما قال لاوتسي " إذا رأيت أن سلطتك لم تعد محترمة فاعلم أن سلطة أخرى هي في الطريق ".
|