حرب صعــدة ..
العقل المدبر لها ناصري ونظام آل سعود يدها الضاربة !

? نشأت ما يسمى بالدولة السعودية على أنقاض نجد والحجاز، ومن مؤسسيها عبد العزيز آل سعود ويمثل التيار السياسي، ومحمد عبد الوهاب يمثل التيار الديني؛ والذي أطلق عليه فيما بعد بالتيار الوهابي؛ فقامت دولة آل سعود على هذين الرجلين حتى أصبحت نجد والحجاز تحت سيطرة نظام آل سعود في نهاية القرن التاسع عشر، وأطلق عليها (المملكة العربية السعودية).
كان للعامل الديني (الوهابي) دور كبير في تأسيس واتساع مملكة آل سعود، فانتشر دعاة الوهابية في المناطق المختلفة للدعوة إلى الدين الحق -على حد رأيهم- كان السبيل للسيطرة على المناطق كنجران وجيزان وأبها... الخ من المناطق اليمنية.
غير أن المد الوهابي لم يصل إلى اليمن إلا في الثمانينيات، تحت مسميات كالمعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن؛ إذ تستقبل هذه المعاهد الطلاب بجميع مراحلها (الابتدائية والإعدادية والثانوية) وتأمين حاجاتهم كالمسكن والمأكل والملبس، والمنهج الدراسي المتخذ لهذه المعاهد نفس مناهج وزارة التربية في اليمن؛ مع الاختلاف الجذري بالديانة، فهي مكثفة لكل المراحل الدراسية وبمتنها مبادئ وعقائد الوهابية.
وفي السياق ذاته، عاد طلاب يمنيون ممن التحقوا ببعض الجامعات الدينية بالسعودية؛ على هيئة رجال دين، أنشئت لهم مساجد ومعاهد، زرعوا بالمناطق الزيدية، على أساس أنهم "علماء سنة محدثون"؛ مثل الزنداني زرع بصنعاء وأنشئ له المعهد العلمي بصنعاء.
ومن ثم أنشئ له أخيراً جامعة الإيمان، ومقبل الوادعي، زرعه (نظام آل سعود) جوار ضريح الإمام الهادي مؤسس الزيدية في اليمن بصعدة؛ وأيضاً الداعية الإمام بذمار وأبو الحسن المصري في مأرب؛ يذهب إليهم طلاب يلتمسوا الفكر الوهابي، مما كان رد فعل علماء الزيدية بالمثل فسعوا في إنشاء مدارس ومعاهد زيدية في ربوع اليمن، صنعاء، صعدة، ذمار، حجة، عمران ... وغيرها تحت مسمى (الشباب المؤمن) تحت إشراف (آل الحوثي) فيما بارك هذا فخامة الرئيس علي صالح، لكونه زيدي المذهب وكذلك كورقة ضغط للحزب المنافس للحكم (حزب الإصلاح (الديني)؛ وبالتالي نجح نظام آل سعود في خلق الصراع المذهبي في اليمن. ومن جهة أخرى نلاحظ؛ إسدال الستار على الناصريين في اليمن من قبل نظام صنعاء، وغض النظر عن أعضائه، ولم يأخذ نظام صنعاء بعين الاعتبار هدوء قادة الناصريين!.
ومعلوم أن الناصريين كان لهم الدور الأكبر في قيام الجمهورية اليمنية، وبناء الجمهورية اليمنية الحديثة، كما يتميز الحزب الناصري بالثورية؛ فقد قام الناصريون في نهاية السبعينيات بانقلاب بغية الإطاحة بنظام صالح إلا أنهم فشلوا، وأعادوا الكرة بانقلاب في أوائل الثمانينيات فسيطر الناصريون على مطار صنعاء، والإذاعة، وكانوا على أبواب القيادة العامة المتواجد فيها علي صالح؛ إلا أنهم انسحبوا، فشردوا وسجنوا، ودفن منهم الكثير في مقابر جماعية، والآخرون منهم نفوا إلى بلدان أجنبية وعربية.
وبالتالي غاب وأفل النشاط السياسي الناصري حينذاك في الساحة اليمنية.
وعندما قامت الوحدة اليمنية عام (1990م) بين حزبين الاشتراكي (الجنوبي) والمؤتمر الشعبي (الشمالي) تم إعلان التعددية السياسية؛ رجع قادة وأعضاء الحزب الناصري من منفاهم أكان خارج اليمن أو داخله. ومارسوا النشاط السياسي في الساحة اليمنية؛ فسعوا إلى إعادة هيكلة الحزب، وإعادة ترتيب العمل الحزبي، وعمل الحزب وأعضائه المستقبلية، كما وضع منظرو الناصريين في اليمن آليات في بقاء الحزب وتأمين أعضائه، وذلك باستراتيجية ودقة كاملة؛ والأخذ بعين الاعتبار ما لحق بالحزب وقادته وأعضائه من شتات في نظام علي عبد الله صالح.
ومن الآليات المطروحة للناصريين بإطاحة نظام الرئيس علي صالح استراتيجية وتكتيك المواجهة غير المباشرة مبنية على أساس مقدمات ومعطيات، ومن هذه المقدمات والمعطيات ما يلي: أولاً ــ وحدة الشمال (الرأسمالي) والجنوب (الاشتراكي) واختلافهما الأيديولوجي سيؤدي إلى تنازع لا محالة؛ إذ رأى قادة الناصريين أن استغلال الفرصة والسعي إلى عودة وإعادة القادة العسكريين الناصريين، والكوادر الأكاديمية إلى مؤسسات الدولة المدنية؛ وإعلان الولاء المطلق لفخامة الرئيس علي صالح؛ وذلك كجرعات ومسكنات مؤقتة لفخامته.
ثانياً ــ الرئيس علي صالح (قبلي) ، ودائماً تسانده القبائل الشمالية (حاشد وبكيل) في أية محاولة المساس بحكمه فرأى منظرو الناصرية العمل على فك الارتباط بين فخامة القبلي والقبيلة.
ثالثاً ــ الرئيس علي صالح زيدي المذهب، ويعتبره رجال الدين الزيدية، وأتباعهم أنه يمثل الزيدية، رأى الناصريون، السعي إلى خلع العباءة الزيدية من على أكتاف فخامة علي صالح، وإلباسه عباءة أخرى، وجعل الزيدية تحت أية مظلة إرهابية.
ومن المقدمات أو المعطيات السابقة رأى منظرو الناصرية العمل بها، استثمارها لاسترجاع ما لحق بالحزب وأعضائه من جرائم وتعسف وإقصاء... في ظل نظام علي صالح.
ومن المقدمات بدأ العمل من قبل الناصريين؛ وذلك قبيل حرب (1994) بين الحزبين الاشتراكي، والمؤتمر الشعبي؛ فمال الناصريون إلى جانب فخامة الرئيس علي صالح وحزبه المؤتمر الشعبي؛ وشاركوا بفعالية بإشعال فتيل حرب (1994) وشارك أعضاء الحزب الناصري من قادة عسكريين وسياسيين، وإعلاميين يدعون إلى شرعية علي صالح.
وبالتالي؛ قدر الرئيس علي صالح الموقف الناصري وأيقن بولائهم الكامل، فعين قادته وأعضاءه في أعلى المناصب الحكومية عسكرية ومدنية، حتى عين منهم مستشارون له؛ ووزراء أغلبية في الحكومة.
وفي السياق ذاته؛ عمل الناصريون بتمجيد وتفخيم أقارب الرئيس صالح، إعلامياً وفي اللقاءات السياسية والاجتماعية، مما دفع رئيس الجمهورية بتعيين أقاربه في أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية وإقصاء على من اعتمد عليهم من أبناء القبائل، أكانوا شيوخاً أم قادة عسكريين، وتم إزاحتهم لعدم المنافسة بطرق عدة كانفجار طائرة، أو حادث سير، أو قتل لثائر، ومنه نجح الناصريون في فك الارتباط بين الرئيس وقبيلته؛ وتمثل ذلك فشله الذريع إبان انتخاب الرئاسة عام (2007) حيث رفضت قبيلته انتخابه بمحافظته "عمران".
كما سعى الناصريون إلى نزع جبة الزيدية من على أكتاف علي صالح وذلك بتحالف مع رجال دين سنة ( وهابيون + إخوان مسلمين) لإيهام فخامة الرئيس بتآمر السادة والزيود على نظامه واستبداله بإقامة دولة دينية، والجدير ذكره أن معظم قادة وأعضاء التيار الناصري في اليمن من المناطق السنية؛ وإذ يرون أن السنة اضطهدوا بما فيه الكفاية من المذهب الزيدي الذي استمر حكمه أكثر من عشرة قرون.
فأثار حفيظة رئيس اليمن، انتشار الفكر الزيدي في الآونة الأخيرة في اليمن كانتشار النار في الهشيم؛ ممثلاً بتنظيم "الشباب المؤمن" ، وزعيمه حسين الحوثي؛ وتفاقمت الأوضاع السياسية بين التيار الديني الزيدي والنظام الحاكم، حتى أعلن علي صالح أن الحوثي والسادة قاطبة يدعون إلى قيام دولة دينية ممثلة بإمام دين؛ وأعلن الحرب على مناطق تواجد الحركة الحوثية في منطقة صعدة لتواجد الحوثي وأتباعه؛ ونجح الناصريون في إلباس فخامة الرئيس عباءة نجدية مطرزة ، وممن ساعده على إعلان الحرب ضد الحركة الحوثية قادة عسكريون ورجال دين (وهابيين) مطلوبين دولياً لدعمهم الإرهاب، وتصدير الإرهابيين؛ فقام القائد العسكري المطلوب دولياً وعلى رأس جيشه المدجج بالآليات والمعدات العسكرية الثقيلة بالزحف على صعدة والهجوم على الحوثي وأتباعه؛ وفي موازاة ذلك أفتى العالم (الوهابي) المطلوب دولياً بالإرهاب بأن الحوثي وأتباعه خرجوا عن طاعة ولي الأمر، ويعتبر خرجوهم مخالفة الأمة فيجوز قتالهم وتحل دماؤهم؛ وانتشرت فتوى الشيخ في اليمن السعيد؛ وأجاب عدد كبير من أتباعه لمقاتلة الحوثي وأتباعه ومساندة القائد وجيشه.
 إذاً الحرب في صعدة هي حرب مذهبية (زيدية ـ سنية) بامتياز، سببها نظام آل سعود، لتصديرها الوهابية من خلال المعاهد العلمية، ورجال الدين كالوداعي ، والإمام والزنداني، و... وغيرهم ممن عملوا على نشر المذهب الوهابي الذي كشفت عنه الأيام بوصفه "أبو الإرهاب".
إن نظام آل سعود يسعى جاهداً على استمرار وتصعيد هذه الحرب بكل الوسائل المتاحة له، فله أعوانه من قادة عسكريين وعلماء وهابيين يمنيين؛ يأمرون ويطيعون.
إن مصالح نظام آل سعود من حرب صعدة عديدة منها إيهام الرأي الدولي أن الإرهاب الديني هو إنتاج يمني وحرب صعدة أكبر دليل؛ وما من إرهاب في السعودية فهو تصدير من اليمن؟ وأيضاً إضعاف المناطق الحدودية وإشعال العداء بينها وبين نظام صنعاء لابتلاعها فيما بعد بيسر.
بالنتيجة فالحرب الدائرة بمحافظة صعدة العقل المدبر لها ناصري والأداة سعودية عقائدية ومادية.
والسؤال هنا: ناصرية اليمن ووهابية نظام آل سعود هل التقيا ؟.. وهما يعلمان ألا يلتقيان .. وبأي ألاء ربكما تكذبان .
 نبيل الحاشدي

اليمن الكبرى

عــودة