الإحساء معتقلة

? إذا كانت الأخبار السيئة تأتي دفعة واحدة كما يقال؛ فليس ثمة أخبار يتداولها الإحسائيون هذه الأيام أسوأ من تجدد موجة الاعتقالات الطائفية في الإحساء بالتزامن مع تمديد خدمة محافظ المنطقة بدر بن جلوي لمدة أربع سنوات قادمة.
فقد تجددت منذ نحو أربعة أسابيع موجة الاعتقالات الطائفية وطالت حتى الآن نحو 20 مواطناً شيعياً بذريعة مشاركتهم في المسيرات العزائية السنوية بمناسبة عاشوراء شهر يناير الماضي.
وتعد الموجة الأخيرة الأحدث ضمن سلسلة المضايقات الطائفية التي دشنها "بن جلوي" منذ أكثر من خمس سنوات واعتقل خلالها مئات المواطنين الشيعة لفترات مختلفة كما أغلقت خلالها عشرات المساجد والحسينيات والمجالس والمدارس الدينية.
وبالرغم من الذرائع الواهية التي باتت الأجهزة الأمنية في الإحساء تلاحق الناس على أثرها والتي بلغت حد الاعتقال وإطلاق أحكام بالسجن لمجرد توزيع الحلوى أو تعليق اللافتات في المناسبات الدينية، إلا أن المثير في ذلك هو الصمت الرسمي المطبق من قبل كبار مسئولي الدولة والإعلام الرسمي ما يعني الإقرار الضمني لحملة القمع الطائفي غير المبررة.
ولقد تعزز هذا الاعتقاد أكثر فأكثر مع ورود الأنباء حول تمديد خدمة "بن جلوي" على رأس إمارة الإحساء لمدة أربع سنوات قادمة، وهو التمديد الذي بات ينظر له الأهالي كمكافأة رسمية للمحافظ لقاء الرعونة غير المعهودة التي أبداها بحق سكان المنطقة بمختلف فئاتهم ومذاهبهم وعلى رأسهم الشيعة!.
غير أن الأكثر غرابة من جميع ما سبق هو صمت الهيئات الحقوقية السعودية الرسمية إزاء حملة القمع المنظمة الجارية في الإحساء، فلم يرى مواطنو الإحساء على مدى سنوات بوادر لأي تحرك رسمي لا من هيئة حقوق الإنسان ولا اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لوضع حد لهذه الانتهاكات المستمرة على مرأى ومسمع العالم ، وهذه الحقيقة تكشف هي الأخرى عن دور يلامس حد التواطؤ والمشاركة في ارتكاب الانتهاكات من خلال التغاضي عنها.
حقيقة الأمر لا يمكن تصنيف الانتهاكات المستمرة التي ترتكبها السلطات الأمنية بحق الأهالي الشيعة في الإحساء في ظرف إقليمي متوتر، إلا باعتبارها حملة طائفية تنزع نحو تفجير الأوضاع الطائفية في المنطقة، إذ لا يمكن فهم الدوافع الحقيقية لاعتقال مئات المواطنين وبينهم رجال دين كبار وإغلاق عشرات المساجد والحسينيات والمجالس والمدارس الدينية إلا وفق هذا الفهم، وهذه الحقيقة هي بالعكس تماما مما يفكر به محافظ لا يجيد سوى لغة الاعتقال والسجن للتعاطي مع مواطنيه لغرض تثبيت الأمن كما يظن.
لقد شهدت الإحساء على مدى قرون متعاقبة حالة من التعايش السلمي بين أتباع المذاهب والمدارس الإسلامية المختلفة ولم يكدر صفو العيش المشترك فيها أي مغرض، بيد أن ما يحدث الآن من استهداف للطائفة الأوسع في هذا المجتمع بالقمع والملاحقة البوليسية المستمرة هو تعزيز لحالة الاصطفاف الطائفي وهو ما ينطوي على تهديد كبير للسلم الاجتماعي في هذه المنطقة.

     اليمن الكبرى

عــودة