اليمن الكبرى حضارة عريقة في الجزيرة العربية (محرم بلقيس)

? طريق سالكة في اليمن إلى (محرم بلقيس) أعجوبة الدنيا الثامنة - بعد اكتشاف عرش بلقيس ، آثاريون غربيون يعلنون فتح باب جديد للحضارة السبئية في مأرب اليمنية على العالم - حمود منصر.
بعد طول انتظار وترقب تكاد الملكة بلقيس ــ ملكة سبأ ــ تعتلي صرح عرشها معبد الشمس أو معبد برآن في أرض الجنتين لتؤدي مناسك التعبد التي اعتادت تأديتها قبل نحو ثلاثة آلاف سنة لعبادة النجوم والكواكب فمن إعادة بناء سد مأرب العظيم منتصف الثمانينيات من القرن العشرين إلى الكشف عن عرش بلقيس تبدو أرض مأرب اليمنية على طريق المجد ثانية تحاول أن تستعيد بريقها الحضاري في جنوب جزيرة العرب ، بل إن علماء الآثار الغربيين الذين بدؤوا الحفر والتنقيب عن محرم بلقيس، أو معبد القمر يؤكدون أنهم في الطريق إلى الكشف عن أكبر معبد من معابد الحضارات اليمنية القديمة ، ويؤكد فريق التنقيب الأثري التابع للمؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان بأن محرم بلقيس سيكون أعجوبة الدنيا الثامنة حيث يعود تاريخ إنشائه بحسب النقوش التي تم العثور عليها حتى الآن إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد .
كانت منطقة مأرب الواقعة على بعد 170كم شرق العاصمة اليمنية صنعاء عاصمة لمملكة سبأ، وهي اليوم مهد أعرق حضارة قديمة عُرفت في جنوب الجزيرة العربية، مملكة سبأ التي كانت المرتكز الأساسي للحضارات اليمنية القديمة ، إذ اعتُبر الحميريون امتداداً متكاملاً لمملكة سبأ التي سادت كامل منطقة جنوب الجزيرة العربية، والبحر الأحمر حتى مناطق إريتريا وأثيوبيا الشرقية في القرن الأفريقي . اشتهر السبئيون بمهارتهم في مجال التجارة ، كما عُرفوا بالجسارة وفن القتال، وكانوا يعبدون الكواكب من دون الله، وذلك هو النبأ العظيم الذي عاد به الهدهد إلى سيدنا سليمان عندما مرّ بمملكة سبأ ووجد أهلها يعبدون الشمس، وتحكمهم امرأة هي الملكة بلقيس التي أرسل إليها سيدنا سليمان لتدخل في دين الله، فترددت ، وأمرت له بهديّة علها تكشف حقيقة مقصده ، وهل هو فعلاً نبي مرسل أم مجرد طامع في مملكة سبأ التي كانت تعيش أزهي مراحل رقيها وحضارتها، وهي المملكة التي حكمت بالشورى ، وطبقت الديمقراطية قبل آلاف السنين ، حيث أنها لم تقطع في أمر التصرف مع سيدنا سليمان إلاّ بعد أن شاورت قومها فقالت (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) ذلك بعد أن وصلتها رسالة سيدنا سليمان (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلوا عليّ وآتوني مسلمين) وقالت الملكة بلقيس كما ورد ذكره على لسانها في القرآن الكريم (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون).
إذن تلك هي مملكة سبأ ، والملكة بلقيس التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة، وفي التورات والقرآن ، كانت هي التاريخ والحضارة والثقافة والمجد العربي في جنوب جزيرة العرب على مدى عشرات القرون ،لكنها تحولت إلى مجرد أساطير وحكايات يتواتر ذكرها على ألسن الرواة فمثلاً سد مأرب العظيم ، الذي كان واحداً من نحو 80 سداً في مملكة سبأ تحول بعد سيل العرم إلي أسطورة ، باستثناء جزء بسيط من جداره الضخم لا يزال منتصباً عند الضفة الغربية لوادي أرض الجنتين، وأما سواه من مَعَالم مملكة سبأ فقد طماها سيل العرم، وزحفت عليها كثبان رمال الصحراء لتدفنها على أعماق مختلفة وحولتها إلى مجرد أساطير يحاول الباحثون الإسترشاد إليها من خلال ما وصلهم من المخطوطات وبعض النقوش القديمة، وبخاصة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
ظلت مأرب مهداً لحضارة إنسانية عملاقة يزيد عمرها عن ثلاثة آلاف سنة، كما ظلت أرضاً للأساطير والحكايات، غير أنها اليوم _ واليمن عند عتبة الألفية الثالثة _ نجدها في حالة الطلق، إنها في حالة مخاض حقيقي، تريد أن تضع حملها ،وتكشف عن كنوز سبأ وحمير التي توارت منذ آلاف السنين في باطن أرضها؛ حيث امتزجت الحقيقة بالأسطورة، وتكاد أعمال الحفر والتنقيب المتواصل عن الآثار أن تحوّل الأسطورة إلى حقيقة على أرض الواقع، وذلك ما تم مؤخراً بعد أن أنهى فريق أثري ألماني تابع لمعهد برلين للآثار أعمال الحفر والتنقيب والترميم لعرش بلقيس طوال مدة 13 سنة انتهت في نوفمبر الماضي وجرى الإحتفال رسمياً بذكرى الألفية الثالثة لبناء عرش بلقيس معبد الشمس .
(عرش بلقيس.. معبد سبئي قديم) لم يشأ الزمن ولا التاريخ أن يظل عرش بلقيس مجرد أسطورة، وهو الموقع الأثري الأشهر بين آثار اليمن ،عُرف بعمائده الخمسة، وسادسها عمود مكسور كانت حتى عام 1988م، تنتصب وسط كثبان الرمال المحيطة بها ، يجهل الإنسان ما تخفي تحتها، باستثناء أن اليمنيين استخدموا صور تلك الأعمدة كرمز وطني مهم للبلاد اليمنية؛ فتصدرت لوائح الإعلانات ، وظهرت مرسومة في العملات الورقية، وعلى طوابع البريد ، وأغلفة بعض كتب التاريخ اليمني.
تغنى الشعراء والمبدعون اليمنيون بعرش بلقيس ، وظلوا يترقبون عودة ظهور معبد الشمس وسطوع شمس حضارة سبأ وحمير ومنذ 1888م أضحي معلوماً لدى الباحثين أن عرش بلقيس تسمية شعبية لمعبد سبئي قديم كان الرحالة النمساوي والباحث أدورد جلازر أول من دوّن نقشاً سبئياً حفر على أحد أعمدة المعبد في العهد السبئي الوسيط ، ويتحدث النقش عن المعبد السبئي المقة، رب المعبد، برآن ،ويحذر كل من يحاول أن ينهب كنوز المعبد الفضية، والمعبود السبئي المقة كان يرمز لعبادة القمر، أحد الكواكب السماوية، أما برآن فهو الإسم السبئي القديم لقسم من الجنة اليسري في أرض مأرب، وكان معبد برآن عرش بلقيس يبعد حوالي 3كم عن أسوار المدينة، وموقعه _ كما هو الحال تقريباً _ وسط حقول الجنة اليسري بعيداً عن أماكن الإستيطان البشري، ويوجد على بعد 3كم في الشمال الشرقي محرم بلقيس، وهو أكبر معبد كان يحج إليه السبئيون في مواقيت محددة في السنة، ويعرف باسم معبد آوام ،أو معبد القمر، وهذا المعبد ينتظر فرق التنقيب الأثرية لتأتي إليه وتستكمل ما بدأته قبل نصف قرن؛ حتى تكشف عن تفاصيله المدفونة تحت الرمال، فيزهو بعودته إلى النور كما يزهو اليوم عرش بلقيس الذي أصبح مفتوحاً أمام الزوار، وحتى يكتمل ظهور أعجوبة الدنيا الثامنة يفرض عرش بلقيس على أي زائر لأرض الجنتين أن يقف وقتاً مع التاريخ ، يتأمل عظمة الإنسان اليمني قبل ثلاثة آلاف سنة، ومستوى تطوره الحضاري المتكامل .
يقول فريق الحفر والتنقيب، الأثري الألماني برئاسة بوركهارد فوكت رئيس المعهد الألماني للآثار بصنعاء (عندما بدأ التنقيب في عام 1888م لم يكن قد تبقى من عرش بلقيس سوى تل منخفض يرتفع عند الحقول المجاورة بحوالي ثلاثة أمتار ويبرز في أعلاه صف من الأعمدة تنتشر حوله أحجار البلق المهدمة وبعض العناصر المعمارية المتكسرة، وخلال أربعة مواسم من أعمال الحفر والتنقيب تلتها عملية تثبيت وترميم المعالم بكل عناية بعون مالي ألماني ، أصبح المعبد عرش بلقيس مهيأً لاستقبال الزوار ومفتوحاً لعامة الناس)،بداية الألفية الأولى قبل الميلاد.
إن نتائج البحث العلمي أثرياً ومعمارياً ،وكذا نتائج دراسة التغيرات البيئية في وادي مأرب، وقراءة النصوص والنقوش التي تم العثور عليها وتواريخها المتعددة ،أثبتت لفريق الباحثين أن تاريخ إنشاء معبد برآن عرش بلقيس يعود إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، ورغم أن الباحثين لم يتوصلوا إلى الكشف عن أسباب إقامة المعبد في موقعه، وهل اقتضت اختيار الموقع ظاهرة طبيعية أو توافق أبراج فلكية، ولكن المؤكد أن المعبد ربما قد شيد لأول مرة في القرن العاشر قبل الميلاد، أي بما يوافق تقريباً عهد ملكة سبأ الشهيرة، و لا يستبعد الباحثون تاريخاً أقدم من ذلك لإنشاء المعبد. ويشير تقرير الآثاريين الألمان أن المعبد يتألف من مجمع يضم وحدات معمارية مختلفة أهمها منصة المعبد، والفناء الأمامي وملحقاتهما، مثل السور الكبير والمبني من الطوب والمنشآت التابعة، وكذلك قناة الري التي كانت هناك بعرض أربعة أمتار وعمق ثلاثة أمتار، ولم يبق منها شيء. تطورت العناصر المعمارية لمعبد برآن عرش بلقيس خلال 1500 عام لتشكل في نهاية المطاف متنسكاً كبيراً ، وكانت النواة هي المعبد التي تمثلت في أربع بنايات تراكمت الواحدة فوق الأخرى في فترات زمنية متفرقة ، ودفنت الثلاث الأولى منها تحت المنصة الكبرى لبناية المعبد الرابعة،والأخيرة التي تكشف معالمها اليوم غير أن الآثاريين والباحثين يجهلون حتى الآن مخطط المعبد الأول الأصل، كما يجهلون الطقوس التي كانت تقام فيه، وأيضاً الإله الذي كان يُعبد فيه، ويسري القول على مبنى المعبد الثاني الذي أقيم على أنقاض الأول ،واستند الباحثون من خلال كسر الفخار التي عثروا عليها أن المبنى الثاني لمعبد الشمس ينبغي أن يكون قد أنشيء في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وأنه ظل قائماً حتى الربع الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد ، وفي مرحلة لاحقة_ ربما خلال القرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد_ جرت على المعبد تغيرات جذرية، فقد بني جدار المنصة الكبير للمبنى الثالث بحجارة ضخمة من أحجار البلق ،وذلك على أنقاض المعبدين الأول والثاني، كما حشوا المنصة بتراب رسوبي ناعم، وأقيمت في الوسط غرفة للعبادة تحيط بها أرضية مبلطة بحجارة من البلق.
عندما بلغت مملكة سبأ أوج ازدهارها في أواخر القرن السادس أو القرن الخامس قبل الميلاد شُيد المبني الرابع لعرش بلقيس معبد برآن على أنقاض المعابد الأول والثاني، والثالث السابقة وجرى توسيعه بإضافة فناء فسيح فأصبح بذلك مجمعاً فخماً تتيح المساحة الفسيحة له إقامة الاحتفالات للمعبود السبئي المقة،وهو في هيئته تلك يشبه عمارة القصور التي عرفت في محافظة شبوة المجاورة لمأرب .
كان المعبد الرابع عرش بلقيس يرتفع في مجمله 15 متراً، ويتألف من مساحة المعبد وبيت للصلاة في الوسط ، وأروقة بأعمدتها في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية، وأمام الواجهة الغربية للمنصة شيدت البوابة الخارجية لتشكل معلماً بارزاً بأعمدتها الستة التي نحتت من كتل صخرية، يبلغ ارتفاع الواحد 8.2 متر، بالإضافة إلى الدرج والتي تؤدى إلى الداخل، وفي الوقت نفسه تم إضافة ساحة أمامية، وحفرت البئر. وللساحة الداخلية شكل مربع وأروقة بأعمدة ارتفاع كل منها 4 أمتار، وكانت الأروقة مزينة بنحت على حجر البلق والمقاعد التي قدت من محاجر المخدرة في صرواح على بعد حوالي 40كم إلى الشمال الغربي.
ويبدو مجمع المعبد عرش بلقيس وحدة معمارية متناسقة يتقابل فيها المدخل الرئيس والساحة مع الدرج العالي لمنصة المعبد بشكل يوحي بالروعة والجمال وعظمة المنجز والإنشاء. تشير النقوش التي تم العثور عليها أن النذور المقدمة للمعبد متعددة ؛كأن تكون قطعاً من الأرض أو البساتين وغيرها، وغير ذلك مما يعكس نفوذ المعبد في حياة السبئيين وأهميته في الحياة الإقتصادية، وكان الدخول إلى المعبد في فترة البناء الرابع قسراً على أولي المراتب العليا من أهل البلاد السبائية، ونفر من الطبقة العليا في المجتمع السبئي، ومن هؤلاء من أسهم بسخاء في تجهيز أروقة الساحة الأمامية للعرش ؛فمثلاً القين، وهو إداري، ذكرت النقوش أنه عمل مع حكام سبأ مثل تدع آيل و يثع أمر و كرب أيل، أما العامة فلا يسمح لهم _كما يبدو _ بدخول حرم المعبد،وكانوا يضعون قرابينهم المصنوعة من الفخار على امتداد واجهة الساحة الأمامية.
السدود مفتاح الحضارة: كانت السدود العظيمة التي شيدها السبئيون والمعابد أهم علامة بلوغ حضارتهم وأوجها، وذلك في القرن العاشر قبل الميلاد، عندما زارت بلقيس ملكة سبأ الملك سليمان، وكانت مملكة سبأ التي عاصمتها مأرب مرياباً غنية جداً لمهارة أهلها في التجارة ،وسيطرتهم حينذاك على الأسواق كما ورد في التورات أن بلقيس قدمت إلى سليمان الذهب والحجارة الكريمة والطيوب بكميات كبيرة، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك وإلى ثراء الملكة بلقيس ورخاء السبئيين عامة، وذلك في حوار بين سليمان والهدهد، قال تعالى (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم).

يتبـع