|
?يعود
تاريخ وجود حضارة يمنية راقية إلى القرن العاشر قبل
الميلاد ، على أقل تقدير، وهي حضارة (سبأ ) المشهورة ،
وهو (سبأ بن يشجب بن يعرب ) ، وتعد حضارة (سبأ) أهم
وأكثر مراحل الحضارة اليمنية القديمة ازدهاراً وذكراً
في التاريخ الإنساني .. إرتبط اسمها بـ ( سد مأرب )
الشهير ، ووصفها القرآن الكريم بأنها"بلدة طيبة ورب
غفور " ، وقال عن حضارتها : ( لقد كان لسبأ في مسكنهم
آية : جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا
له) .
ويبدو من خلال بعض الآثار والأخبار القديمة أن الدول
اليمنية القديمة تجاورت مكانياً وزمانياً ، وحكمت
بعضها بعضا أو شملتها بنفوذها … فـ ( معين وسبأ )
كانتا متجاورتين ، وبعض الأخبار تقول إنهما اسمان
لمرحلتين متتاليتين من دولة واحدة .
إستوطن السبئيون أرض مأرب وكانت دولتهم تمتد لتحكم مناطق أخرى ، وفي بعض
الفترات حكمت اليمن كلها، واستمدت ( سبأ ) قوتها من
سيطرتها وتحكمها بالطرق التجارية وأهمها الطريق
التاريخي الشهير المعروف بـ (طريق اللبان) ، فقد كان
اللبان من أنواع الطيوب الغالية المرغوبة في بلدان
الشرق القديم وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط .. وكان
أجود أنواع اللبان يأتي من اليمن، وكانت أهم مناطق
نموه في أواسط بلاد المهرة وظفار ، وقد أدت تجارة
اللبان إلى نشوء حركة تجارية واسعة ازدهرت بسببها
مملكة (سبأ ) .
وفي القرن الخامس قبل الميلاد بدأت بعض المناطق في الخروج عن سيطرة مملكة
(سبأ ) الأم وتكوين دول مستقلة دخلت في منافسة مع (سبأ
) ذاتها ، وشاركتها نفوذها السياسي والإقتصادي ، وبرزت
تلك الدول مع مرور الزمان مثل:معين ، وقتبان ،
وحضرموت. برزت دولة ( معين ) في منطقة (الجوف) ،
وتمكنت من السيطرة على طريق اللبان التجاري بمساندة
حضرموت وقتبان ، وكانت عاصمتها الدينية (براقش)
وعاصمتها السياسية ( قرناو) .. وتوسع المعينيون شمالاً
و أقاموا مستوطنات على طرق التجارة ما بين نجران
والبحرين شرقاً، وعلى الطريق ما بين نجران وغزة غرباً
، وتوسعت علاقاتهم التجارية مع البلاد الأخرى مثل: مصر
وفلسطين واليونان كما هو الحال مع أبناء عمومتهم :
السبئيين والحضارمة والقتبانيين. وتخلصت (قتبان)في
الفترة نفسها من سيطرة مملكة سبأ، وكانت عاصمتها
(تمنع) في أرض وادي بيحان ، وبرزت في القرنين الثالث
والثاني قبل الميلاد ، وتميزت قتبان – رغم أنها من
الدول اليمنية الصغيرة – بنشاط زراعي واسع وكبير ،
فازدهرت مشاريع الري في الوديان ، وشق القنوات الطويلة
، والآبار والسدود … وجمعوا بين النشاط الزراعي
والنشاط التجاري بسبب موقعهم على طريق اللبان فحصدوا
ثروات هائلة، وسنوا شرائع وقوانين لتنظيم أحوالهم
الإقتصادية. وأما (حضرموت) فقد كانت تابعة لمملكة
(سبأ) ثم صارت موالية لها ، وعندما ضعفت مملكة (سبأ)
انفصلت (حضرموت) كغيرها من الدول اليمنية الصغيرة
وكونت دولة مستقلة كانت عاصمتها ( شبوه) .
وقد ازدادت أهمية وقوة دولة (حضرموت) بسبب هيمنتها على أرض اللبان في (ظفار).
عصر الضعف والتجزئة . منذ القرنين الثالث والثاني قبل
الميلاد تكرست الفرقة في اليمن بظهور عدد من الدول في
زمن واحد هي: سبأ ، قتبان ، معين ، حضرموت ، ثم حمير ،
وبدأ اليمنيون يهملون الزراعة اعتماداً على المكاسب
الهائلة التي كان يدرها النشاط التجاري ، وقد تعرضت
الممالك اليمنية إلى ضربة شديدة بعد أن نجح (البطالمة)
في مصر في التوصل إلى أسرار الملاحة في البحر الأحمر
والمحيط الهندي فانتقل الطريق التجاري من البر إلى
البحر ، واتجه البطالمة للتجارة بحراً دون وساطة
اليمنيين مما أضعف من قدراتهم وأضعف من هيبتهم بين
الأمم. أدت حالة الضعف الإقتصادي والسياسي إلى تنشيط
الأطماع الخارجية للإستيلاء على اليمن ، فكانت أول
حملة أجنبية للإستيلاء على أرض اللبان والطريق البري
هي حملة ( أليــوس جــاللــوس ) الـرومانية التي انتهت
بالفشل عند أسوار مأرب عام 24ق.م، وفي السياق نفسه
بدأت القبائل البدوية المتنقلة في الصحراء تعاني من
ضعف وارداتها التجارية بسبب ما تعرضت له التجارة
اليمنية بعد انتعاش التجارة البحرية ، فأخذت تلك
القبائل تهاجم المحطات التجارية والمدن مما أدى إلى
هجرة سكان الوديان على أطراف الصحراء – حيث كانت مراكز
الحضارة – واللجوء إلى المرتفعات الداخلية للإحتماء
بها ، وقد أدى ذلك إلى بروز دولة (حمير) ونمو قوتها
بسبب سعيها للإستفادة من انتعاش التجارة على البحر
الأحمر حيث أقام الحميريون موانيء وبنوا أسطولاً ،
وأسسوا عاصمتهم (ظفار) في قلب المرتفعات اليمنية
بعيداً عن الصحراء والقبائل المتمردة. شهدت تلك الفترة
ازدهار مدن الهضبة اليمنية في القيعان بعد أن كانت
الحضارة والإزدهار متركزة في مدن الوديان الشرقية ،
كما شهدت تلك الفترة ازدياد سلطة (الأقيال) بعد أن
ضعفت هيبة السلطة المركزية في (مأرب) ، وبدأ الأقيال
ينازعون السلطة التقليدية في ( مأرب) سلطتها ويتنافسون
على لقب (الملك)، وانتشرت حالة الضعف في الدول اليمنية
المتعددة وتعرضت للإضمحلال والضم في القرن الأول قبل
الميلاد ، فقد انتهت دولة معين في القرن الثاني قبل
الميلاد بعد أن ضمت إلى (سبأ) ، وضعفت (قتبان) بسبب
منافسة (حضرموت) لها والتي ضمت ما تبقى من قتبان إليها
في القرن الأول قبل الميلاد قبل أن تنتهي حضرموت نفسها
في القرن الثاني الميلادي .
وفي هذه المرحلة برزت دولة (أكسوم) في الحبشة ،وهي
الدولة التي قامت نتيجة وجود استيطان يمني هناك دام
قروناً ، وازدهرت (أكسوم) مع انتعاش الملاحة والنشاط
التجاري في البحر الأحمر ، ودخلت (أكسوم) في صراعات
وتحالفات مع حكام اليمن حسب الظروف والعلاقات بين
الطرفين .
أدت مرحلة الضعف والتجزئة إلى بروز اتجاه قوي لإعادة توحيد السلطة وإقامة
دولة مركزية واحدة ، وقام بهذه المحاولة ( شعر أوتر بن
علهان نهفان ) الذي حمل لقب (ملك سبأ وذي ريدان )
واتخذ (مأرب) عاصمة له ، ومدّ نفوذه إلى مناطق عديدة
منها حضرموت في أواخر القرن الثاني الميلادي ، وفي
منتصف القرن الثالث الميلادي حاولت ظفار ومـأرب توحيد
قـواهما ضــد الحبشة وتوحيد السلطة أثناء عهد الملك
الشهير (آل شرح يحضب ).
وفي أواخر القرن الثالث الميلادي استطاع ( شمر يهرعش بن ياسر يهنعم ) أن يوحد
سبأ وحمير في دولة واحدة ، وأقام حكماً مركزياً قوياً
وحمل لقب ( ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمانة ) وكانت
عاصمته ظفار .
وفي مطلع القرن الخامس الميلادي برز اسم الملك (أسعد
الكامل) الذي اتسع ملكه حتى وصل إلى وسط الجزيرة
العربية ، وكان (اتحــاد كنده) مملـكة تابعة له وزار
(أسعد الكامل) يثرب واعتنق اليهودية،ومر بمكة وكسا
الكعبة المشرفة. وفي تلك الفترة بدأ اليمنيون يهجرون
عبادة الأوثان التي كانت منتشرة بكثرة، فمنهم من اعتنق
اليهودية .. ومنهم من اعتنق النصرانية. وكان سد مأرب
الشهير يتعرض في العادة إلى تصدعات ومشاكل لأسباب
متعددة كالسيول الكبيرة القوية الناتجة عن الأمطار
الغزيرة والفيضانات ، كما تعرض للتصدعات بسبب الزلازل
والإهمال وعدم الإهتمام بسبب ضعف السلطة المركزية ،
وكان اليمنيون قد اعتادوا على أن يهبوا لإصلاح السد
ويتعاونوا على ترميم ما تهدم منه بدعم السلطة المركزية
، لكن سد مأرب في النصف الثاني من القرن السادس
الميلادي انفجر انفجاراً كبيراً كان خارقاً للعادة
وكارثة كبيرة هدمت معظم بناء السد وجرفت منشآت أرض
الجنتين ، وشلت نظام الري بأكمله ، فتبدلت صورة الحياة
تماماً ، وساد الجفاف والقحط والفقر النباتي ، وهجر
اليمنيون أرضهم وتفرقوا أيادي سبأ.
كان آخر ملوك حمير ( أسار يثار ) المشهور بذي نواس ، وكان قد اعتنق اليهودية،
واشتبك ذو نواس مع النفوذ الحبشي المتعاظم في اليمن في
معارك طاحنة هزمهم فيها في البداية ، وأحرق كنائسهم ،
وطاردهم في كل مكان ، كما اشتبك مع اليمنيين الذين
اعتنقوا النصرانية وأحرقهم في الأخدود كما جاء في
الرواية التاريخية الشهيرة. انسحب (الأحباش ) بعد
هزائمهم ليعودوا بعد سنوات غازين لليمن ، وبمساعدة
الإمبراطور الروماني هزموا ( ذو نواس ) واحتلوا اليمن
عام 525م.
وانفرد أحد القادة الأحباش بالحكم في اليمن وهو (أبرهة) وأطلق على نفسه لقب
(الملك) ، وحارب القبائل المتمردة وأخضعها لسلطانه ،
وسعى لمد نفوذه في جزيرة العرب ، وقاد الحملة الشهيرة
لهدم الكعبة المشرفة في مكة لتعزيز نفوذه السياسي
والديني بين العرب ، لكن حملته انهزمت على مشارف مكة
بعد أن أرسل الله تعالى الطير الأبابيل على جيش أبرهة
فأهلكته ودمرت جيوشه. استعان أحد القادة اليمنيين الذي
اشتهر باسم (سيف) وهو من عائلة (ذي يزن) بالفرس لطرد
الأحباش من اليمن ، وتمكن بمساعدة قوات فارسية أرسلها
كسرى من تقويض نفوذ الأحباش وطردهم من اليمن .
وبعد موت الملك (سيف) استفحل النفوذ الفارسي ، وقام الملك الساساني كســرى
الثاني (برويز ) بتحويل اليمن إلى ولاية فارسية و عين
عليها والياً فارسياً في نهاية 598م. |