خريطة "حدود الدم" وأثرها على الحجاز المستقل

? إن تكرار أبحاثنا عن تحرير الحجاز من الهيمنة السعودية / الوهابية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمؤامرات الدولية التي تحاك للمنطقة العربية والإسلامية ؛ لأن تقسيم الدول الإسلامية بصورة عامة هدف ممتد منذ القرن التاسع عشر ؛ ومن المنطقي أن يعي قادة المنطقة خطورة هذه الأفكار الهادفة إلى تجزئة الأرض وزرع بذور الفتن والقلائل ؛ ولكن لم يحدث مطلقاً أن درس القادة المسلمون تاريخ المنطقة وعمل الدول الاستعمارية الدائم على تقسيم بلادهم ؛ أو ربما يعتقد هؤلاء القادة أو يوهمون أنفسهم بأن ما حدث في الماضي لن يتكرر في المستقبل ؛ وهو محض وهم ؛ وإذا كنا نعتقد أن هناك مؤامرة فلابد من القول إن من ينفذ هذه المؤامرة هم العرب أنفسهم ؛ وتلك قمة المآسي ؛ ولذا نطلب أن يبتعد الحجاز عن أي خلافات قد تحدث في المستقبل كما حدث في الماضي عندما احتل السعوديون الحجاز وفرضوا الوهابية على منطقة الحرمين الشريفين ؛ وحاول المسلمون تخليصه من قبضتهم ولكن السعوديين احتموا بالنفوذ الاستعماري الإنجليزي ثم الأمريكي ؛ وفي هذا البحث سوف نتحدث عن مخاطر التقسيم الذي تتعرض له المنطقة وأثر ذلك على الحجاز المقدس ؛ ومن ثم فإن بحثنا سينقسم إلى ثلاثة محاور هي نظرة تاريخية عن مشاريع التقسيم وما حدث للحجاز بسببها والثاني حدود الدم وهو أحدث مشروع أمريكي تقسيمي علني ؛ ثم المحور الثالث عن كيفية حماية الحجاز من تلك المشاريع وإفشالها .
 المحور الأول : نظرة تاريخية عن بدايات (الشرق الأوسط) :
إن أول من استخدم مصطلح 'الشرق الأوسط' هو 'ألفرد تيير ماهان' المؤرخ البحري الأمريكي عام 1902، وذلك لتحديد المنطقة الواقعة بين شبه الجزيرة العربية والهند ، عند مناقشته للإستراتيجية البحرية البريطانية في مواجهة التحرك الروسي في إيران ، ومخطط ألمانيا في إنشاء خط للسكك الحديدية – وقتذاك – يربط بين برلين وبين بغداد العثمانية من ناحية أخرى، حيث شمل المصطلح تركيا وإيران وبلدان الخليج العربي ؛ وقد استخدم مصطلح 'الشرق الأوسط' منذ ظهوره مع مشارف القرن العشرين في الدوائر الرسمية الغربية ووسائل الإعلام الغربي للدلالة على منطقة جغرافية بعينها من العالم ، تسكنها شعوب يربط فيما بينها رباط الدين والعقيدة ؛ وقد شاع استخدامه للدلالة عليها في المخططات الغربية ، تجنبًا لاستخدام مصطلح الشرق الإسلامي ، أو الوطن العربي والإسلامي ، حتى لا يستثير الروح الإسلامية في المنطقة ضد الغرب الصليبي، وحتى لا تقوى النزعة الداعية إلى إقامة الجامعة الإسلامية آنذاك.
وإذا كانت أمريكا أول من ابتدع هذا المصطلح ليكون له دلالة سياسية وعسكرية ، فإن بريطانيا كانت أول من روج هذا المصطلح إعلاميا ، حيث كانت صحيفة 'التايمز' البريطانية أول من نقل هذا التعبير الجغرافي الجديد ، ثم استخدمته بعد ذلك حكومة بريطانيا رسمياً ، حيث قام ونستون تشرشل في 1921، بعد الحرب العالمية الأولى ، بإنشاء 'إدارة الشرق الأوسط' في وزارة المستعمرات التي كان يتولاها كي تدير شؤون فلسطين وشرق الأردن والعراق، والتي ما لبثت أن امتد اختصاصها إلى مصر.
 إلا إنه من المرجح أن مصطلح الشرق الأوسط كان حاضرًا في ذهن البريطاني 'مارك سايكس' والفرنسي 'فرانسو بيكو' أثناء رسمهما لحدود الدول العربية وتقسيم الكعكة العربية بين بلديهما بريطانيا وفرنسا، قبل ذلك التاريخ بسنين.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وسّع الحلفاء حدود الشرق الأوسط لتضم مجموعة البلدان الواقعة في غرب الهند بآسيا ومنطقة شمال إفريقيا ، بما أصبح في النهاية عنوانا على كل البلدان العربية و تركيا وإيران ، ثم رقعة الدول المجاورة لها , التي كانت تتسع أو تضيق حسب الظروف
 الشرق الأوسط وسايكس – بيكو
شهد عام 1916 اجتماعًا ضم السير 'مارك سايكس' البريطاني، والمسيو 'فرانسو بيكو' الفرنسي حيث اجتمع الاثنان لرسم خريطة جديدة للعالم العربي بعد تقسيم مناطق النفوذ بينهما في زمن التوسع الاستعماري الأوروبي عقب الحرب العالمية الأولى ؛ وكان هذا الاتفاق محصورا في المشرق العربي 'أي سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق' إلا إن دوره كان يشمل الشرق الأوسط بمفهومه الأوسع ، أي بالإضافة إلى دول المشرق ، كانت هناك مصر وإيران وتركيا والجزيرة العربية ، إلى جانب أفغانستان ودول آسيا الوسطى الروسية آنذاك. وكانت الخريطة التي رسمها سايكس وبيكو والتي نشأت عنها الدول العربية الموجودة اليوم ، هي أول خريطة لتقسيم العالم العربي، وبالتأكيد فإن التقسيم وفقًا لما يحقق أكبر مصلحة وفائدة للجانبين ويضمن لهما السيطرة على المنطقة. غير أن الأحداث المتعاقبة وتغير ميزان القوى ، ودخول أمريكا كلاعب رئيسي في الساحة الدولية ، دفع إلى النظر في تغيير خريطة العالم العربي والإسلامي بما يناسب اللاعبين الجدد أمريكا وروسيا ، وأعادت أحداث العراق منذ الحرب العراقية ــ الإيرانية في عام 1989، ومن بعدها 'عاصفة الصحراء' في عام 1991، ووصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض النظر مرة أخرى في إعادة رسم خريطة العالم العربي والإسلامي ، وظهر مصطلح 'الشرق الأوسط الكبير' والذي كانت بدايته بالعدوان على العراق في عام 2003 ثم صار الآن 'الشرق الأوسط الجديد' مع العدوان الصهيوني على لبنان. الحجاز ومشاريع التقسيم الجدير بالذكر هنا أن الجزيرة العربية أثناء مشاريع التقسيم الأولى منذ الأعوام 1904 و1916 و1922 لم يكن لها ذكر في أدبيات التقسيم من زاوية التفكيك الذي عناه الاستعماريون ؛ وهذا يرجع إلى أن الملك عبد العزيز كان قد كيّف سياسته مع الإنجليز فتركت له ضم مناطق من الجزيرة تختلف مذهبيا عن الفكر السعودي وهي الأحساء وكان ضم الحجاز مسألة وقت ؛ لذلك يبرز السؤال الضروري عن الأسباب التي جعلت بريطانيا لا تقسم الجزيرة فيما بعد ضم الحجاز أو أن تجبر عبد العزيز لترك الحجاز للحجازيين كما جاء في ر سائلة إلى ملوك المسلمين ؛ وللإجابة عن هذه الأسباب نجد أن النفط كان قد أكتشف عام 1938 ؛ و السعوديين رتبوا أمورهم مع الإنجليز والأمريكيين بشروط أهمها عدم إثارة مشكلة الحجاز في مقابل التعهد بأن ترتبط بالسياسة الغربية على طول الخط ؛ وهذا ما حدث وما كتبت عنه الأبحاث من الباحثين والكتب والمفكرين والسياسيين عموما ؛ ولكن السعوديين لم يتخيلوا أن دولتهم ستكون هدفا مستقبليا لمشاريع التقسيم ؛ وهي أمور تعكس سطحية الأنظمة الإسلامية بوجه عام والنظام السعودي خصوصا لأنه ربط نفسه بالسياسة العلمية الاستعمارية ورهن الحجز معه ؛ حتى صار الحجز مرهونا بأفكار المهووسين السياسيين / الدينيين ذوي الميول الصهيونية الإمبريالية ؛ وهو ما نراه بعد قليل خطط التقسيم الأمريكية ليس الحديث الأمريكي 'الشرق الأوسط الجديد' أو 'الكبير' وليد فكر الإدارة الأمريكية الحالية، بل إن الأمر يعود عشرات السنوات إلى الوراء، ففي سبعينيات القرن الماضي أصدر [زيبغينينو بريجنسكي] مستشار الرئيس الأمريكي [جيمي كارتر] للأمن القومي، كتابا بعنوان 'بين جيلين'، وبعيدًا عن المعلومات المغلوطة التي حملها هذا الكتاب ، إلا إن بريجنسكي دعا صراحة في كتابه إلى إعادة تشكيل خريطة العالم العربي ، وقال بوضوح : إن الشرق الأوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة يجمعها إطار إقليمي ، فسكان مصر ومناطق البحر المتوسط غير عرب ، أما داخل سوريا فهم عرب ، وفي ضوء هذه المزاعم دعا 'بريجنسكي' إلى صنع شرق أوسط مكون من جماعات عرقية ودينية مختلفة ، تتحول إلى 'كانتونات' عرقية وطائفية يجمعها إطار إقليمي 'كونفدرالي'.
ويمضي بريجنسكي في أطروحته قائلا : وهكذا سيسمح للكانتون 'الإسرائيلي'، أن يعيش في المنطقة بعد أن تصفى فكرة القومية.
وقد لخص بريجنسكي رؤيته لتحقيق ذلك من خلال إعادة الدعوة لتبني المخططات القديمة ، وضرورة استخدام القومية العربية كسلاح لإفشال الوحدة الإسلامية ونهضة الأمة ، واستمرار تمزيق هذه الأمة إلى دويلات صغيرة ، فلخص نظريته بتبني أسلوب [نسف التوجه القومي من الداخل من خلال تأجيج الصراعات الطائفية واتخاذ الدين نقيضاً للقومية على أساس من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بالشكل الذي لا يمكنها من الانبعاث والنهوض وأداء دورها الحضاري من جديد].
ولم تكن سياسة التقسيم سياسة خاصة بالحزب الجمهوري أو المحافظين الجدد ، بل إنها سياسة انتهجتها كافة الإدارات الأمريكية، فـ' وارن كريستوفر' وزير الخارجية الأمريكية في عهد بيل كلينتون قال في مقال له : 'إن من أهم أهداف الولايات المتحدة من تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي خلق شرق أوسط جديد من مجموعة من الأمم المختلفة ، بحيث تتشارك المصلحة العامة وتعيش بسلام وتتمتع بالاستقرار والتقدم الاقتصادي وتقدم جميع الشعوب في المنطقة'، ويضيف كريستوفر: تسوية الصراع في المنطقة وإقامة نظام إقليمي فوق قومي ، سيحد من تنامي التيارات السياسية المتطرفة ؛ غير أن الإدارة الأمريكية الحالية يبدو أنها أخذت على عاتقها تنفيذ تلك السياسيات ، حيث كشف تقرير مخابراتي نشرته مجلة 'فورين ريبورت' الأمريكية منذ عدة سنوات عن 'أن هناك في بعض الدول العربية المجاورة لإسرائيل فريقا أمريكيًا من كبار المخططين السياسيين يدرس أحوال الدول العربية وذلك بهدف تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها من جديد ، بل إن بعض الدول ستظهر في المنطقة وسيختفي بعضها الآخر'.
 فالمخططون الأمريكيون يرون أنه بالإمكان تفتيت دول المنطقة وإعادة تركيبها كما حدث على أيدي البريطاني سايكس والفرنسي بيكو. إذن لم تكن خطط التقسيم بعيدة عن ذهن الإدارات الأمريكية، غير أن جوهر المشكلة كانت من أين يبدأ التقسيم ؟ ، وفيما يبدو فإن التقسيم كان لابد وأن يبدأ من العراق ، وهو ما شرحه 'طارق عزيز' في اجتماع له مع مسؤول لبناني رفيع في فترة الثمانينات خلال تبادل للآراء حول مشاريع التقسيم في المنطقة ، حيث يؤكد أن مشاريع التقسيم تبدأ من العراق ، ثم يشرح وجهة نظره فيقول :
 أولاً : 'إذا كنا نتفق على أن الغاية من التقسيم هي إقامة دويلات تقوم على الطائفية ، التي تبرر وجود إسرائيل ، فإن التقسيم يجب أن يؤدي إلى قيام دويلات صغيرة ضعيفة تزيد من مساحة إسرائيل'.
 ثانياً : إن التقسيم إذا قام مثلا في لبنان ، فإنه يمكن أن يؤدي إلى توسيع سوريا والتي ستجد نفسها مضطرة وقادرة على إلحاق معظم الأقسام غير المسيحية من لبنان بها ، في وقت سيجد فيه المسلمون أنفسهم في أجواء التوجه إلى التوحد مع سوريا ، وهكذا فإن التقسيم لا يمكن أن يبدأ من لبنان ، لأن تقسيم لبنان يؤدي إلى توسيع سوريا .
 ثالثاً : ممّا سبق نستطيع الاستدلال ، بأن التقسيم لا يبدأ من سوريا أيضا ، لأنّ تقسيم سوريا من شأنه أن يؤدي إلى توسيع العراق'. وينتهي طارق عزيز من عرض وجهة نظره ، فيقول : 'وهكذا فإن المخاوف من التقسيم تصبح في محلها إذا وجدنا أنفسنا في وقت ما في مواجهة مشروع للتفتيت يبدأ في العراق ، لأنّ تقسيم العراق لن يؤدي إلى توسيع أي بلد عربي آخر، وسيكون الفتيل الذي يشعل رياح التقسيم في المنطقة عموما ويمد لهيبها إلى سوريا ومنها إلى لبنان' ؛ ورغم كل انتقاداتنا للنظام البعثي وكل أركانه من أول عمالتهم واستبدادهم حتى هيأوا الأمر للأمريكان لاستعمار العراق ؛ ولكنا نجد أن ما قاله عزيز يتحقق وعلينا أن ندرك أن النظام البعثي رغم تحليله شبه الدقيق لم يحاول أن يمنع الكوارث بل إنه ضلع فيها ؛ خاصة عندما احتل الكويت وبدأ أول سيناريو السقوط العربي والإسلامي المريع الذي نشهد فصوله الآن وما نشهده الآن في العراق من حرب طائفية و دعوات إلى إقامة إقليم شيعي في الجنوب ، ومحاولات لتشييع بغداد وعدد من المدن السنية في وسط العراق ، ليست إلا خطوة في مشاريع التقسيم، يتبعها ما يجرى في لبنان من عدوان يهدف إلى رسم واقع سياسي جديد ، وتحجيم قوة الشيعة حتى إذا صارت لهم دويلة لا تكون محل إزعاج لإسرائيل .
 المحور الثاني : خريطة الشرق الأوسط الجديد ( حدود الدم ) في شهر واحد نشرت مجلتان أمريكيتان تقريرين عن الشرق الأوسط الجديد وتقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية، مجلة 'نيويورك تايمز ماجازين' نشرت تحقيقًا موسعًا عن سوريا غير أنها ركزت على نقطتين هامتين هما : ضعف أو موت العلاقات العربية ، وقوة أو انتعاش الطائفية ، وهو ما يمهد لإنشاء دويلات تقوم على أساس طائفي . أما مجلة القوة العسكرية 'Armed Forces Journal' فقد تحدثت بوضوح وتفصيل في عدد شهر يونيو الماضي عن خطط التقسيم ، بل إنها ألحقت بمقالها خريطة للدويلات الجديدة التي سوف تظهر في العالم العربي ، لذلك لم يكن مستغربًا أن تكتب مؤسسة الدراسات الإستراتيجية والدولية المتقدمة في إحدى دراساتها قائلة : يجب على الغرب أن يُدرك بأن العراق وسوريا ولبنان وباقي الدول العربية مخلوقات اصطناعية ، وأن القومية العربية هي الخطر الحقيقي عليه، الحل يكمُن في إقامة دويلات جديدة طائفية وعشائرية. وتزعم مجلة القوة العسكرية في تقريرها أن حدود الشرق الأوسط – الحالية - تسبب خللا وظيفيا داخل الدولة نفسها وبين الدول من خلال أعمال غير أخلاقية تمارس ضد الأقليات القومية والدينية والإثنية، أو بسبب التطرف الديني أو القومي والمذهبي . وتزعم المجلة أن لمّ الشمل على أساس الدين والقومية في دولة واحدة لن يجعل الأقليات سعيدة ومتوافقة , إن القومية الخالصة أو الطائفة وحدها يمكن أن تجد مبررا لتغيير الحدود ولتشكيل كيان سياسي لها . ووفقًا لرؤية المجلة فإن التقسيمات لن تتم على أساس خرائط معدة مسبقا بل أعدت على أساس وقائع الطائفية والمذهبية ، ولأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقا لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن , ولضيق الوقت لابد من سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية التي يجب أن تستغل من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها.
وتقول المجلة إن إسرائيل لا يمكنها العيش مع جيرانها ولهذا جاء الفصل عن جيرانها العرب , وهو ما يتوافق مع المشاريع الصهيونية فشيمون بيريز حدد في كتابه 'الشرق الأوسط الجديد' خريطة الشرق الأوسط بأنها تمتد من حدود مصر الغربية حتى حدود باكستان الشرقية ومن تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية شمالاً حتى المحيط الهندي وشمال السودان جنوباً ، وهي منطقة تجمع دولاً عربية وإسلامية وليس فيها خارج هاتين الدائرتين 'العروبة والإسلام' سوى 'إسرائيل' .
محتويات خريطة حدود الدم يعرض التقرير المنشور في المجلة خرائط لمنطقة الشرق الأوسط بشكلها الحالي ، و خرائط للشكل الذي يتم العمل على تحقيقه ؛ و يعتمد التقرير لتسويغ هذا المخطط على عدد من الحجج المنطقية الجدلية لتمرير هذا مشروع و منها:
أولا ً: إنّ الحدود الحالية هي حدود رسمتها كل من بريطانيا و فرنسا بشكل عشوائي في القرن التاسع عشر هي حدود غير عادلة .
ثانياً : إنّ قوس الحدود الأكثر تشابكاً و فوضوية في العالم يكمن في إفريقية و الشرق الأوسط , و إنّ هذه الحدود تعمل على إثارة الحروب و الموت في هذه المنطقة من العالم , و لذلك يجب تغييرها و إعادة رسمها لإعطاء الأقليات المذهبية أو القومية و الإثنية حقوقها المسلوبة .
ثالثاً : صحيح أنّه في بعض الحالات , قد تتفاهم مجموعات مختلفة متعددة الأعراق أو الديانات و الإثنيات بحيث تتعايش و تتداخل مع بعضها البعض , لكنّ الغالب إنّ التداخل بالدم أو المعتقد في أماكن أخرى قد لا يكون ناجحاً بقدر الاتحاد الذي يحصل في داخل المجموعة الواحدة , لذلك لا بد من إجراء هذا التغيير في خريطة الشرق الأوسط.
رابعاً : الحدود المرسومة للدول ليست ثابتة على الإطلاق و العديد من الحدود من الكونغو إلى القوقاز مروراً في كوسوفو تتغيّر الآن , و من هنا فإنه لا يجب التجاوب مع الحجّة القائلة إنّ هذه الحدود لهذه الدول لا يجب تغييرها ؛ لأنّها تعبّر عن واقع موجود منذ آلاف السنيين , و إنّ المحافظة عليها تتطلب تحمّل ضريبة المشاكل التي تحصل فيها.
خامساً : إنّ حدود الشرق الأوسط تسبب خللاً وظيفياً داخل الدولة نفسها ، و بين الدول بعضها البعض ، خاصّة من خلال الممارسات ضد الأقليات القومية والدينية والإثنية , أو بسبب التطرف الديني أو القومي والمذهبي , و لذلك يجب إنهاء هذا الأمر.
و يدعي التقرير أنّ الغاية من هذا التعديل هو تحقيق عدد من الأهداف الإنسانية و التي تتعلق بالعدل و الديموقراطية و التوازن و أهداف أخرى رئيسية هي :
 أولاً : إنهاء الظلم الذي يعاني منه عدد من الأقليات في الشرق الأوسط و منها: الأكراد , البلوش و الشيعة العرب ؛ و على الرغم من أنّ التعديلات المرتقبة تأخذ بعين الاعتبار مصالح هذه الفئات , إلاّ أنّ هذه التعديلات المرتقبة قد لا تستطيع أن تحقق مصالح أقليات أخرى بالكامل مثل : المسيحيين , البهائيين , الإسماعيليين ؛ النقشبنديين , و عدد من الأقليات الأقل عدداً.
ثانياً : محاربة الإرهاب بشكل كامل بواسطة القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة وحلفائها من الدول المحلية أو العالمية.
ثالثاً : تأمين تدفق النفط بشكل تام و كامل للغرب دون أية قيود.
رابعاً: تحقيق السلام الكامل عبر إحداث تعديلات في الحدود الجيو-سياسية للدول الموجودة حالياً في الشرق الأوسط, و نشر الديمقراطية.
الخريطة الحالية للمنطقة

و يمرر التقرير في ثناياه عدداً من النقاط التي قد يمر القارئ عليها مرور الكرام ، ولكنّها خطيرة جداً في مضمونها و معناها و منها :
أولاً : الترويج أنّ هذا التغيير و التعديل هو لمصلحة الجميع ، خاصّة أنّه - و على عكس ما قامت به كل من فرنسا و بريطانيا- يراعي مصالح القوميات و الإثنيات والمذاهب و المجموعات المختلفة المنتشرة في المنطقة القائمة حالياً ؛ لأنه قائم على أساس وقائع ديموغرافية تشمل الأقليات المذهبيّة و الإثنية و القوميّة.
ثانياً : إنّ هذا التغيير في الحدود المرسومة حالياً و تعديلها لإيجاد شرق أوسط جديد ، لا يمكن أن يتم بسهولة و سرعة ، لأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقاً لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن , و لضيق الوقت فإنه لابد من سفك الدماء للوصول إلى هذه الغاية و استغلال عامل الوقت لصالح هذه الخطّة. استناداً لما تمّ ذكره , فإن دولاً جديدة ستنشأ ، مما يعني فقدان بعض الدول الموجودة لأجزاء كبيرة من حدودها الحالية و زيادة حدود دول أخرى.
ملامح الخريطة الدموية المقترحة الدولة الكردية : تقتضي الخطّة المذكورة إقامة دولة كردية مستقلة للأكراد البالغ عددهم ما بين (27 – 36) مليون كردي يعيشون في مناطق محاذية لبعضها البعض في الشرق الأوسط ؛ إذ يعد التقرير أنّ الأكراد هم أكبر قوميّة في العالم لا يعيشون في دولة مستقلة ، و أنّه يجب تحقيق دولتهم المستقلّة عبر عدد من الخطوات منها:
 أولاً : استغلال الفرصة التاريخية التي لاحت للولايات المتّحدة بعد سقوط بغداد في إنشاء دولة كردية إثر تقسيم العراق إلى ثلاث دول ؛ لأن الأكراد سيصوتون بنسبة 100% لصالح قيام دولة مستقلة إذا عُرضت عليهم فرصة قيام دولة مستقلة.
ثانيا ً: دعم أكراد تركيا على الرغم من أنّ هجماتهم في الداخل قد خفّت خلال العشر سنوات الماضية , إلاّ أنهم عادوا من جديد الآن ، و عليه يجب استغلال هذه الفرصة للضغط على تركيا ، و إظهار الجزء الشرقي منها كما و أنّها "منطقة محتّلة".
ثالثا ً: بعد قيام الدولة الكرديّة المستقلة في العراق و تركيا , فإنّ أكراد إيران و سوريا سينضمون بمناطقهم مباشرة إليها و سيشكلون "دولة كردستان الكبرى المستقلّة" بحدودها النهائية. وستكون هذه الدولة الكرديّة الممتدة من ديار بكر في تركيا إلى تبريز في إيران أكبر حليف للغرب في المنطقة ما بين اليابان و بلغاريا.
 الدولة الشيعية العربية:
وفقاً للتقرير ؛ فإنّ الجزء الجنوبي من العراق سيكون نواة لتشكيل دولة شيعية عربية تنضم إليها مناطق واسعة من الأراضي المحيطة بها ليشكل حزاماً على المنطقة المحاذية للخليج "الفارسي" على أن تشمل المناطق التالية: أولاً : الجزء الجنوبي الغربي من إيران و المعروف بمنطقة الأهواز أو عربستان و التي تضم معظم الشيعة العرب في إيران.
ثانياً: الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية و الذي يضم العدد الأكبر من الأقلية الشيعية في المملكة. دولة سوريا الكبرى : بعد تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام : كردي في الشمال , شيعي في الجنوب و سني في الوسط, سيضطر الجزء السني إلى الالتحاق بسوريا ، وذلك لأنه سيصبح دولة لا مقومات لها بين مطرقة الدولة الكردية الكبرى إلى شماله ، وسندان الدولة الشيعية إلى جنوبه إذا لم ينضم إلى سوريا ؛ و سيتم إجبار سوريا عن التخلي عن جزء صغير منها لضمّه إلى لبنان لتشكيل "دولة لبنان الكبير" على البحر المتوسط لإعادة إحياء دولة فينيقيا. تقسيم المملكة العربية السعودية ستكون المملكة إلى جانب الباكستان بالإضافة إلى تركيا من الأكثر الدول التي ستعاني نتيجة للتغيير الذي سيطرأ على المنطقة ؛ و سيتم تقسيم المملكة إلى خمسة أقسام :
 أولاً : القسم الشرقي الساحلي حيث تتواجد الأقلية الشيعية في المملكة ، و سيتم إلحاق هذا القسم بالدولة العربية الشيعية التي تحدثنا عنها أعلاه. |
ثانياً : القسم الثاني هو جزء يقع في شمال غرب و شرق المملكة ، و سيتم إلحاقه بالأردن الذي سيشكّل بحدوده الموجودة حالياً إضافة إلى الجزء السعودي دولة "الأردن الكبرى" التي ستضم كل الفلسطينيين في الشتات.
ثالثاً : القسم الثالث من المملكة سيضم كل المدن الدينية لاسيما مكّة المكرّمة و المدينة المنوّرة التي سيتم تشكيل دولة دينية عليهما يحكمها مجمّع ديني من مختلف الطوائف و المذاهب الإسلامية و يشبه إلى حد كبير الفاتيكان.
رابعاً : إلحاق قسم من جنوب المملكة إلى الجمهورية اليمنية التي سيزيد حجمها.
خامساً : تشكيل دولة سياسية في القسم المتبقي من حجم المملكة الأصلي. الجمهورية الإيرانية : صحيح أنّه سيتم اقتسام بعض الأجزاء من إيران لصالح تشكيل دولة كردية و دولة شيعية عربية و دولة بلوشية و جزء صغير لضمّه لدولة أذربيجان ، إلاّ أنّه سيتم اقتطاع جزء من أفغانستان المجاورة لتشكيل دولة قومية فارسية تحلّ محل الجمهورية الإيرانية الحالية.
أفغانستان و باكستان : القسم الذي سيتم اقتطاعه من أفغانستان لمنحه لإيران سيتم تعويضه من خلال منح أفغانستان جزءاً كبيراً من باكستان حيث العديد من القبائل الأفغانية والقريبة لها, و سيتم اقتطاع جزء آخر أيضاً من باكستان حيث يقيم البلوش لمنحه لدولة بلوشستان الحرة ، و بذلك يتبقى مساحة ثلث أو أقل من حجم باكستان الحالية التي ستشكّل الدولة الجديدة المنتظرة.
الكويت و قطر و عمان و الإمارات واليمن : ستبقى هذه الدول على الأرجح بشكلها الحالي دون زيادة أو نقصان مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الإمارات قد تشهد بعض التغييرات ، و ذلك تبعاً للتغير الذي سيصيب بعض الدول المجاورة لها ، سواء لناحية إيران أو لناحية دولة الشيعة العرب , فيما سيزيد حجم اليمن نتيجة لمنحها جزءاً من المملكة العربية السعودية.
لذلك و كما نرى فإنّ إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط سيتم على أساس قومي أو إثني في بعض الأحيان و طائفي في أحيان أخرى , و بما أنّ إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط انعكاساً لإرادة الناس و الفئات لا يمكن أن يتم فوراً حتى ولو أرادوا ذلك إلاّ أنّه مع الوقت -و مع عملية سفك الدماء وفقاً للتقرير- فإن تحقيق هذه الخريطة الجديدة سيكون ممكناً جداً.
أمّا بالنسبة لإسرائيل ووفقاً للتقرير, فلكي تمتلك أي أمل بالحياة بسلام مع جيرانها فسيكون عليها الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها في العام 1967 مع ضرورة إجراء تعديلات محلية تواكب القلق الأمني الذي يساورها بشكل دائم .
شخصياً أعتقد أنّ نشر مثل هذا التقرير في مجلة عسكرية أمريكية هدفه إن لم يكن التطبيق الفعلي , فهو لابتزاز عدد من الدول الكبيرة كالسعودية و الباكستان وتركيا للبقاء ضمن الدائرة الأمريكية , خوفاً من هذا المصير ؛ و في حال تمّ تطبيقه فالهدف منه إيجاد بيئة رسمية و شعبية موالية للولايات المتحدة الأمريكية ؛ لأنّ الدول التي ستنشأ و الكيانات التي ستقوم و المجموعات التي ستستفيد من هذا الواقع ستكون ممتنّة جداً للولايات المتحدة و مدينة لها ، كما هو حال الحكومة الحالية في أفغانستان من الناحية الرسمية ، أو كما هو الحال مع شيعة العراق و كرده رسمياً أو شعبياً.
و مما لا شك فيه أنّ الخطط الأمريكيّة تجاه العالم الإسلامي "الذي تدعوه الشرق الأوسط, عندما تريد تخصيص الدول العربية و بعض الدول الأخرى في محيطها"، تعدّدت وتنوّعت على مر السنين لتتلاءم مع التغيرات التي تطرأ على المنطقة بين الحين والآخر, لكنّها في جميع الأحوال و الظروف حافظت على عاملين اثنين أساسيين اعتبرتهما كثوابت في جميع هذه الاستراتيجيات, و خطاً أحمر يمس الأمن القومي الأمريكي : العامل الأول هو : حماية أمن إسرائيل و دعمها بأي ثمن.
العامل الثاني هو : تأمين النفط و المصالح الاستراتيجية الأمريكية الأخرى.
و على العموم فإنّ الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة يمكن تلمّس معالمها من خلال الأدوار التي لعبتها أمريكا في أفغانستان و العراق ، و من خلال الأدوار التي تلعبها مؤخراً بمساعدة أوروبا في عدد من الملفات ، سواء في سوريا أو لبنان أو فلسطين أو مصر أو الخليج العربي و تركيا.
 إنّ مسألة التلاعب أو التحكّم بورقة الأقليات و حقوق الإنسان مسألة معروفة قديماً في العرف السياسي الأمريكي الخارجي , و هذا الأسلوب يظهر الولايات المتّحدة بمظهر المدافع عن حقوق البشر و توجّهاتهم في وقت تعاني هي أصلاً فيه من عنصرية بغيضة تجاه الأقليات سواء العرقية أو القوميّة ؛ و على العموم , الخطة الأمريكية الجديدة تقوم على استعمال ورقة الأقليات لزعزعة استقرار و وحدة الدول القائمة في الشرق الأوسط ، لاسيما أنّ لهذه الورقة قوّة كبيرة ، و قد تؤدي إلى مواجهات عنيفة تتفكك على إثرها الدولة إلى دويلات طائفية و عرقية أو تضعف الدول كثيراً في أحسن الأحوال ؛ لأنّ الدولة في الشرق الأوسط بطبيعتها الحاليّة ، و منذ انهيار الدولة العثمانيّة هي دولة قوميّة بالأساس، و تضم عدداً كبيراً و متنوعاً من الأعراق و الطوائف و القوميات.
و بطبيعة الحال فإن الدول التي تحويها القائمة الأمريكية في هذا المجال هي الدول الأكثر تنوعاً و امتزاجاً مثل : العراق, أفغانستان, السودان, الجزائر, لبنان...الخ وذلك من أجل إعادة صياغة الواقع العرقي و الطائفي و القومي وفق تركيبة تناسب المخططات الأمريكية التي تهدف إلى تحقيق عدة أهداف منها:
أولاً : إضعاف الدولة القوميّة- بشكلها الحالي- التي لديها حساسية كبيرة بطبيعة الحال تجاه التدخلات الخارجية في شؤونها ، و هو ما سيسهّل عملية الاختراق الأمريكية للدول التي تأبى الانصياع لما تريده أو التي ترفض التغيير بحسب الوصفة المقدّمة على الطريقة الأمريكيّة.
 ثانياً : ضمان عدم التحام هذه الأقليات و الطوائف و الأعراق , و ضمان عدم ذوبانها أو على الأقل انسجامها مع الأغلبية في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط في أي إطار جامع على الشكل الذي كانت فيه منذ قرون لضمان أنها ستكون بحاجة إلى مساعدة خارجية , و كل ذلك من أجل أن تبقى هذه الأقليات برميل بارود يمكن تفجيره في الوقت الذي تراه القوى الغربية مناسباً، و بالتالي أمريكا ستكون جاهزة للتدخل في أي مكان و زمان تراه مناسباً في أي بلد من هذه البلدان إذا رأت أنّ ذلك لمصلحتها , و بحجّة الحماية بطبيعة الحال ؛ و إن لم يكن ذلك في مصلحتها فلا هي ترى و لا تسمع و لا تتكلم.
ثالثاً : إنّ الهدف أيضاً من ورقة الأقليات هو تسويغ وجود إسرائيل وتوسيع رقعة المشاكل و النزاعات الإقليمية الداخلية العرقيّة و القوميّة لإشغال العالم العربي والإسلامي و شعوب هذه الدول بالمشاكل الداخلية المستجدّة لديهم و المخاطر التي تتهدّد بلدانهم المعرضّة آنذاك للتفتيت و التقسيم , بمعنى تقسيم المقسّم أصلاً و تجزئة المجزأ بعدها حتى تصبح القضيّة الفلسطينيّة في آخر اهتمامات الشارع الإسلامي و الدول الإسلامية , هذا إن تذكّرها بعد ذلك أحد , و بالتالي تنعم "إسرائيل " بما هي فيه.
رابعاً : الهدف أيضاً من نفس الموضوع هو إفساح المجال أمام إسرائيل للدخول والتغلغل في هذه الدول عبر الأقليات سواء القومية أو الطائفية أو العرقية ، و لنا في أكراد العراق و شيعته مثال على ذلك ؛ إذ إنّ الدولة المدمّرة أو المفتّتة أو التي يتم إضعافها عبر ورقة الأقليات سيكون من السهل على إسرائيل اختراقها كما حدث أيضاً في جنوب السودان. ترتكز الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة, في شقّها الثاني على تحجيم نفوذ الدول الكبرى تقليدياً في المنطقة مثل :
-السعوديّة : التي من المفترض أن تشمل دائرة نفوذها الإقليمية على الأقل دول الخليج العربي و ذلك لاعتبارات اقتصادية و ديمغرافية و جغرافيّة و عسكرية.....الخ.
- مصر : التي من المفترض أن تشمل دائرة نفوذها أو دائرة تأثيرها أيضاً منطقة شمالي إفريقية و السودان و فلسطين على الأقل، و ذلك أيضاً لأسباب ديمغرافيّة, اقتصاديّة, تاريخيّة..الخ.
- سوريا و العراق : حيث تمتد دائرة نفوذ الدولتين إلى الدول المجاورة لهما سواء لبنان و فلسطين بالنسبة إلى سوريا أو الأردن و الخليج بالنسبة للعراق ؛ بالإضافة إلى عدد آخر من الدول الكبيرة أيضاً التي لم نذكرها.

و نلاحظ أنّ الولايات المتّحدة قد لجأت إلى هذه الخطّة في تحجيم نفوذ الدول الكبرى نظراً للتعقيدات الكثيرة و التشابكات الكبيرة التي تتركها دائرة نفوذ مثل هذه الدول الكبرى على الدول الأخرى ، ممّا من شأنه أن يحدّ من التدخّل الأمريكي بحيث يصعّب على الولايات المتّحدة التدخل في أي موضوع أو ملف لأية دولة تكون لهذه الدول الكبرى نفوذ فيها , إذ إنّ الأمر آنذاك سيتطلب من الولايات المتّحدة جهداً مضاعفاً و وقتاً مضاعفاً و تباحثاً مع جميع الأطراف ، و ربما جوائز ترضية للدول الكبرى ، و ربما قد تخفق في النهاية للوصول إلى هدفها أو قد تصل إليه بصعوبة.
لكن عندما تكون دائرة نفوذ كل دولة محصور في إطارها الداخلي فقط فإنّ ذلك يفيد الولايات المتّحدة من عدّة جوانب :
أولاً : يسهّل ذلك على الولايات المتّحدة مهمّة التدخل بشؤون أية دولة دون تعقيدات تُذكر حيث تصبح العلاقة مباشرة و فردية بين الولايات المتّحدة و الدول الأخرى, و بطبيعة الحال فإنّ الدول الأخرى في غالبها دول صغيرة و ضعيفة، و لا حول و لا قوة لها في وجه الإملاءات الأمريكية حتى لو أرادت فعلاً رفض ما يُملى عليها.
ثانياً : إنّ تحجيم النفوذ يؤمن الاستفراد بالدول الواحدة تلو الأخرى دون أن يكون لها أي حليف أو نصير ، و بالتالي فإنّ الملف يصبح أسهل ، و النتائج أضمن، و الإملاءات و الشروط أكبر، و التهديدات بالعقوبات و العمليات العسكرية في حال عدم التنفيذ أجدى.
و يمكن ملاحظة ذلك في ثلاث حالات واضحة و صريحة و منها : السودان حيث تمّ عزله عن محيطه العربي ، وتُرك وحده في مواجهة أمريكا و القوى الدولية ، و تمّ عزل مصر عن الملف إلى أن وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه الآن و بعد فوات الأوان , و نرى التهديدات و العقوبات الأمريكية و الأممية واضحة لأي مراقب.
العراق و قد تمّ أيضاً عزله و محاصرته و قصفه و تدميره و تحجيم نفوذه إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن من خراب و دمار و انهيار نتيجة عدم تنفيذ الإملاءات و الشروط الأمريكية. سوريا, و قد بدا الأسلوب الذي نتحدث عنه عن تحجيم النفوذ واضحاً في هذه الحالة ، و لا يحتاج إلى شرح ؛ إذ أصبحت قدرة الولايات المتّحدة على التدخل في الملف اللبناني أكبر بكثير ، و تمّ تحجيم النفوذ السوري فيه , و بالطبع مسلسل التهديدات لم ينته بعد ُ، و سلسلة المطالب من سوريا تجاه العراق و لبنان و فلسطين تكبر يوماً بعد يوم بانتظار التنفيذ الكامل و إلاّ تبقى الإشارة إلى إنّ نقطة الانطلاق في تنفيذ هذا المشروع و النقطة الفاصلة ، وفقاً لما يذكره التقرير هي العراق , فإذا نجح المشروع الأمريكي في العراق ، تمّ الانتقال إلى دول أخرى ، و إذا أخفق سقطت هذه الخرائط الأمريكية برمّتها.
الحجاز في حدود الدم المتأمل
في البند ثالثا من خريطة التقسيم الدموية يلاحظ أن الحجاز وضع له وضع ديني لحكم ديني على مكة المكرمة والمدينة المنورة ؛ ويحكمها مجمع ديني من كل المذاهب الإسلامية على غرار الفاتيكان ؛ وهو تقسيم ماكر من وجهين اثنين هما :
 1 – حدد الحجاز بالمدينتين المقدستين مكة والمدينة ؛ ولكن الحجاز يشمل معظم المنطقة الغربية ليصل إلى تبوك في أقصى الشمال حتى محايل عسير في الجنوب وتشمل المنطقة مدن الطائف ورابغ وينبع وجدة ؛ وغيرها ؛ واقتصار الحجاز على مكة والمدينة فيه تفريغ كبير لمعنى الحجاز الجغرافي والتاريخي ؛ والأصل في مطالبتنا لتحرير الحجاز الجغرافي ورد الحكم لأهله الحجازيين ؛ ولكن خريطة الدم تريد أن تبقى بعض الحدود التي تسبب نزاعات في المستقبل كما حدث في سايكس بيكو .
 2 – افترضت الخريطة أن المجمع الإسلامي الذي سوف يحكم الحجاز يشبه الفاتيكان ؛ ولكن الفاتيكان لا يمثل كل المسيحيين في العالم بل هو يمثل الطائفة الكاثوليكية فقط ؛ فالبروتستانت ليس لهم بابا ؛ وهناك الكنيسة الأرثوذكسية ؛ أي أن الفاتيكان لا يمثل المسيحيين ؛ والقول بجعل المجمع الإسلامي على غرار الفاتيكان من قبيل الوهم حيث أن الإسلام ليس كهانة ولا كهنوت ؛ كما أن المجمع المقترح ليمثل كل المذاهب الإسلامية سوف يتم تشكيله حسب رغبات الهيمنة الأمريكية ؛ وهو ما يخالف ما نطالب به من عودة الحجاز للحجازيين ليكون الحجاز محطة الانطلاق لتحقيق الوحدة بين المسلمين ؛ والحجاز هنا سيكون مانعا من فرض خريطة الدم ؛ كما سنرى في المحور الثالث .
 المحور الثالث : حماية الحجاز وحماية الأمة من التقسيم
إن إحياء الدعوة للتدويل الإسلامي للحجاز أو تحرير الحجاز من الفكر الأحادي يعيد إلى مكة المكرمة رمزيتها في وحدة المسلمين والاتفاق فيما بينهم على كيفية مواجهة أعداء الأمة المتربصين بها وإعلان البراءة منهم ومن ثم الحد من خططهم الدموية التي لا تريد الخير للإسلام أو للمسلمين كما أن الحج لن يكون احتكاريا فيلتقي المسلمون ؛ ويمكن القول هنا إن مكة كعاصمة للحجاز تكون هي مركز الوحدة المنشودة ؛ كيف : إن الحج في حقيقته مسيرة نحو الله ؛ فعامة البشر سيمثلون أمام ربهم بعد الموت ، ولكن المؤمن يمثل بين يدي ربه قبل أن يأتيه الموت.. فحضور الآخرين أمام الله حضور المجبور الذي لا حيلة له ، أما حضور المؤمن فباختياره ، وهذا هو المنظر الذي يقدمه اجتماع الحجاج من كل أنحاء العالم في ميدان عرفات ، ولعله لهذا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"
الحج عرفة". إلا أن الحج عبادة جامعة أودع الله فيها فوائد أخرى كثيرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ومن هذه الفوائد أنه وسيلة للوحدة الإسلامية العالمية ؛ فالكعبة هي النقطة المركزية التي تنتظم حولها دائرة المؤمنين العبادية حول العالم. والجانب الحقيقي لحضور عرفات يتعلق بالآخرة ، إلا أن السر العميق لوحدة الإسلام كان فيه في الوقت نفسه ؛ وذلك لأن الوحدة هي التجمع حول مركز واحد ، وحين يتجمع المسلمون حول ربهم خلال الحج ؛ فهم يكتشفون كذلك سر تحويل كثرتهم العددية إلى وحدة ، إنهم يكتشفون أسرار دنياهم بينما هم يتلقون أسرار أخراهم.
 بيت الله، ذلك البناء المعروف الذي يتوسط المسجد الحرام الفسيح، ونرى في الصورة مئات الألوف من البشر يركعون أمام ربهم في دائرة.. هذه هي الصلاة الاجتماعية السنوية التي تؤدى خلال الحج ، ويشترك فيها نحو مليونين ونصف مليون مسلم من كل أنحاء العالم، إنه حدث مشهود ويمكن التقاط الصورة له .
ولكن الذين يتخذون من الكعبة قبلة ليسوا هم كل مَن نراهم في المسجد الحرام ؛ فهناك عدد هائل من المسلمين خارج الحرم وفي كل مكان على وجه الأرض ، فالمسلمون في كل أنحاء العالم يتجهون خمس مرات كل يوم نحو الكعبة لأداء صلواتهم ، وتظل هذه الدائرة ـ التي نشاهدها داخل المسجد الحرام ـ تتسع حتى تشمل الكرة الأرضية كلها.
ولو تخيلت فسترى أن الذي يحدث بصورة محدودة في صحن المسجد الحرام يحدث كل يوم على مستوى أعظم وأكبر في كل أنحاء العالم؛ فالمسلمون في كل مكان ، ومن كل ناحية ، يتجهون صوب الكعبة خمس مرات كل يوم لأداء الصلوات ، وهم يقفون في كل أنحاء العالم حول الكعبة من جوانبها الأربعة.. أي أن المسلمين يقيمون حولها دائرة كاملة على وجه الأرض خمس مرات كل يوم ؛ فتكون الكعبة في الوسط بينما المسلمون يؤدون صلواتهم حولها في دائرة من كل ناحية على وجه البسيطة.. وهذه ناحية اجتماعية عظيمة لا مثيل لها في أية جماعة دينية أو غير دينية في العالم.
وهذا هو النظام العظيم الذي قام بواسطة آلاف السنين من التاريخ ، ولو كان في المسلمين شعور حقيقي فأخذوا من الحج الدرس الذي يهدف إليه هذا النظام العظيم لوقعت النهضة الحقة في حياة المسلمين، ولأنضم كل فرد منهم إلى هذه الهيئة العالمية الاجتماعية المقدسة.. والحقيقة هي أن الكعبة رمز توحيد الله على وجه الأرض وهي في الوقت نفسه رمز وحدة المسلمين واجتماعهم .
ومن الجوانب الظاهرة لهذا النظام العظيم الذي يربي على الوحدة أنه يطلب من الكل أن يتخلوا عن ملابسهم الخاصة ، وأن يرتدوا لباسًا واحدًا بسيطًا، فيزول هنا الفرق بين المَلِك والرعية، وتختفي هنا امتيازات الملابس الغربية والشرقية ، ويبدو الناس في لباس الإحرام المشترك، وكأن لكل منهم وضعًا واحدًا ، فالكل عباد الله ولا وضع لهم سوى وضع العبودية لله. وتنتهي مناسك الحج المقررة في مكة ، إلا أن معظم الحجاج يتوجهون إلى المدينة بعد الفراغ من الحج أو حتى قبله لو كان لديهم متسع من الوقت.. وكانت المدينة تسمَّى (يثرب) في قديم الزمان ، وجعلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مركز دعوته في آخر حياته ، فأصبحت تدعي بـ (مدينة النبي ) منذئذ ، و(المدينة) اختصار لتلك التسمية، ويوجد في المدينة المسجد الذي بناه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتنتشر حوله آثار حياته القرآنية ، وذهاب الحجاج إلى المدينة ـ مع أنه ليس شرطًا في الحج ـ درس لهم للمزيد من الوحدة والاجتماعية ، فهم يدركون في المسجد النبوي أن زعيمهم واحد وهم يعودون بإحساس بأنه مهما كانت الفروق الجغرافية والقومية بينهم ، إلا أنه يجب عليهم أن يسلكوا طريق النبي الواحد ، وعليهم أن يجعلوا هذا الوجود المقدس وحده زعيمًا وقائدًا لحياتهم، ومهما بلغ عددهم ومهما تمايزوا عن بعضهم البعض، إلا أن إلههم واحد ، ورسولهم واحد كذلك .
يحضر كل عام ملايين من البشر إلى المكرمة مكة لأداء فريضة الحج دون أن يكون هنا من يعمل على الاستفادة من هذا التجمع العالمي المقدس فيأتي المسلمون ثم يعودون إلى بلادهم بذكريات الحج ولكن دون الوصول إلى آفاق الوحدة المنشودة .
وهي المهمة المبحوث عنها وفيها ؛ كيف لملايين البشر من المسلمين لا يتمكنون من تحديد الأهداف الوحدوية اللهم إن السبب الرئيسي في ذلك هي أهدف سياسية تمنع المسلمين من الاتفاق فلو أن هناك قدرا مشتركا بين المسلمين لجعلوا موسم الحج موعدا سنويا للالتقاء والتدبر في شؤون الأمة .
وفكرة الحجاز للحجازيين بإشراف إسلامي مشترك وسيلة وهدف ؛ وسيلة من جعل الحجاز والعاصمة المقدسة مكة حجر الزاوية لوحدة المسلمين العملية كما يمارسونها عبادياً في مواسم الحج ؛ أما الهدف السامي هو منع سكيكس بيكوم الجديدة المتمثلة في خطوط وحدود الدم ؛ لأن تحقيق الوحدة من منطلق مكة يمنح الأمة مناعة ضد كل خطط التقسيم والهيمنة وفرض النفوذ الاستكباري .
ولكن ذلك كله يتوقف على قدرة المسلمين على تحرير الحجاز من السعوديين لأنه مرتبط بالنفوذ الاستكباري ؛ فيكن المنطلق من هنا ؛ من استقلال الحجاز الذي يعني استقلال الأمة في عمومها .

اليمن الكبرى

عــودة