|
? بين النصر والسلام إعلان وقف الحرب وانفراج أزمة المحافظة تباينات مختلفة وأصداء واسعة تعم مختلف الشرائح الاجتماعية بصعدة ترصدها "الصحوة" عبر مراسلها هناك حيث عم الخطب غالبية أبناء صعدة، وشمل المصاب جميع المواطنين الأبرياء ممن ليس لهم في مجريات الحرب ناقة ولا جمل، غير أن السيئات تعم الجميع ولا ريب في ذلك .
هل وضعت الحرب أوزارها؟!!
لست مخطئا إن أكدت وبإصرار على أن إعلان وقف إطلاق النار كان خطوة موفقة تمام التوفيق هذه المرة، مع الاحتفاظ بشرط ضمان عدم تجددها مرة أخرى،كما أصبح ذلك أمرا اعتاد عليه الناس بين الوقف والاستئناف، ولذلك أصبح الإعلان عن وقفها أو تجددها ممجوجاً من قبل الجميع حتى في الأوساط العسكرية ذاتها وبخاصة أن وقف الحرب لم يتجاوز مرحلة الإعلان إلى مستوى متقدم يشبه القرار بالوقف الذي من شأنه إعطاء الأمر صورة أكثر ثقة ومصداقية مما هو عليه الحال الآن وهذه ثغرة يقابلها ثغرات أخرى على الجانب الآخر.
فعلى الرغم من الترحيب الكبير الذي قوبل به الإعلان من جانب الحوثي وحسب المعطيات السابقة لوقف الحروب قبل هذه الحرب والتي لا تصمد طويلا حتى تتلاشى شيئا فشيئا حسب انعكاسات الواقع الميداني في محافظة صعدة، فليس هناك من ضمانات على عدم تكرار المواجهات والدخول بحرب سادسة لدى أي من الطرفين غير الإنهاك الذي وصل إليه الجميع حد الإعياء، مع ملاحظة استبعاد أو ما يشابه استحالة عودة حرب أخرى حسب مؤشرات أصبح الواقع يراهن عليها.
وفي هذه اللحظات وبعد أكثر من عشرين يوما على وقف الحرب لا يزال الوضع متململا بالقول والعمل إلا أن وقف الحرب أوقف كارثة بكل معاني هذه الكلمة عن أبناء محافظة صعدة الذين كانوا يساقون إليها حتى أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من التفحم بهاويتها السحيقة.
وتبقى في النهاية العديد من التساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه النوايا الصادقة لدى الطرفين حيال مصداقية العزيمة على مواصلة السير في المساعي السلمية دونما تخلف أو تراجع أو نكوص عنها قيد أنملة ، فيما لا تزال قدرة لجنة الوساطة المحلية عن تحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه ما يربو عن ثلاثة عشر لجنة ووساطة شكلت من مختلف التوجهات الفكرية والشعبية والرسمية والبرلمانية والمشايخ والوجهاء والأعيان والعلماء والمنظمات الحزبية والمدنية لذات الغرض، ناهيك عن وساطات أخرى للأشقاء من قطر خاصة أنها أنجزت خلال الأيام القليلة الماضية ما تزيد نسبته عن 40% من مجموع المهام المنوطة بها دونما أية عقبات أو إشكاليات ذات بال عجزت أمامها .
ويأتي ذلك في الوقت الذي لا تزال تمثل فيه الإرهاصات التي تحدث بين حين وآخر بين بعض قبائل المناطق وأتباع الحوثي إشكاليات قد تصبح محط إعاقة للمهام مع أنها لم تكن بالمستوى الذي كان متوقعا لها من ذي قبل .
سنة خامسة حرب ..أطلال ونازحون وخسائر
عم الخطب غالبية أبناء صعدة، وشمل المصاب جميع المواطنين الأبرياء ممن ليس لهم في مجريات الحرب ناقة ولا جمل، غير أن السيئات تعم الجميع ولا ريب في ذلك .
وبالرغم من قصر فترة الحرب مؤخرا إلا أن التقديرات راحت إلى القول بأن أعداد النازحين الفارين من نيران المواجهات كادت تتجاوز الثلاثين ألفاً من المواطنين في مناطق المواجهات بصعدة فقط وبخلاف المناطق الأخرى من المحافظات التي شهدت نيرانها للمرة الأولى كعمران وصنعاء، وما يضاهي ألف وخمسمائة منزل ومنشأه أصيبت بالأضرار إن لم تدمر تدميرا كليا، ومن ضمنها عدد من المنازل التي لازالت ترفع حتى الساعة لافتات بيضاء كتب عليها شعار الحزب الحاكم المعروف ( يمن جديد مستقبل أفضل ) وباللغتين العربية والانجليزية أيضاً.
وليس هناك من لم يتضرر من أبناء محافظة صعدة البالغ تعداد ساكنيها زهاء ستمائة وخمسة وثمانين ألف نسمة بحسب آخر تعداد للجمهورية اليمنية، وعلى وجه الخصوص في هذه الحرب الخامسة حتى من كان منهم خارج المحافظة ممن لازمهم القلق والخوف على أهاليهم وذويهم.
لقد رزح الجميع أكثر من شهر من الزمان تحت الحصار بعيدا عن جميع الخدمات التي كانوا ينعمون بها وقت الرخاء، بعيدا عن الماء والكهرباء، بعيدا عن الغاز والمحروقات النفطية، بعيدا عن المواد الاستهلاكية والأساسية ناهيك عن الكماليات.. لا يستطيع شخص منهم الخروج سفرا من صعدة أو إليها بل لا يجرؤ على الانتقال بين مديرياتها ومناطقها..
الطلاب الذين تجاوز عدد المتقدمين منهم لاختبارات الشهادة الثانوية العامة خلال العام الماضي خمسة آلاف طالب وطالبة لم يبلغوا هذا العام مجرد الأربعة ألف، الصادرات والمنتجات الزراعية المعروفة عن محافظة صعده تأثرت بنسبة تفوق الخمسين بالمائة عما سبق في السنوات الزراعية.
يقول عبد الله مثنى جازع أحد المزارعين" لا أحد يحب الحرب أو يتمنى عودتها لأنها خسارة ووبال على الجميع من أبناء المحافظة والمواطنين فأنا مثلا -والحديث لجازع- وأنا من أقل المزارعين خسارة في صعدة بلغت خسارتي ما يقارب اثنين مليون ريال بسبب الحرب لأنها صادفت أوقات المواسم الزراعية بالنسبة لنا ولذلك فقد تكبدنا خسائر فادحة لانعدام الديزل من جانب وهذا كان بسبب الحصار الذي فرض على المحافظة وأدى إلى منع وصول المواد والمتطلبات التي يحتاج إليها المواطنون ومنها مادة الديزل التي اضطررنا إلى شراء البرميل (عشرين دبة) بمبلغ أربعة عشر ألف ريال ، وفي نفس الوقت منعنا من السفر لتسويق منتجاتنا في المحافظات الأخرى كما هو معهود، وقد أجبرنا ذلك على بيعها داخل المحافظة بأثمان زهيدة لا تساوي تكلفة إيجار نقلها إلى الأسواق في المحافظة .
ترميم النفوس قبل الممتلكات والبيوت
يقول أحمد محمد مساوى-مدرس- "من جهتي اعتبر انه لا توجد أي مشكلة على وجه المعمورة ليس لها حل مناسب إذا صدقت النوايا لدى الأطراف ذات العلاقة ومهما كانت المشكلة" ويضيف مساوى: لقد تمكن الرئيس بقراره إنهاء الحرب إخراج الجميع من مأزق ليس له نظير وورطة ليس لها مثيل وكما حرص على ذلك فأنا أرجو أن يحرص كل الحرص على عدم تجددها مرة أخرى كما أدعو بلسان حال أبناء المحافظة جميع الحوثيين إلى تحكيم العقل والمنطق بإتاحة أكبر قدر ممكن لنجاح المساعي السلمية قولا وعملا وذلك لما فيه صالح الجميع ..
أما أسس الاتفاق ومبادئ المصالحة من جهتي- والكلام لأحمد- اعتقد أن وقف الحرب استنادا إلى ما سبق سيخرج الناس من معاناتهم التي بلغت بهم أضيق الطرق واقصرها إلى الهلاك، حصار وغلاء في الأسعار لم يسبق له النظير على مدى التاريخ الصعدي، غير أن مثل هذه الأحداث التي تترك آثارها مدى السنين بحياة الشعوب والأمم وتواريخها لابد أن يرافقها العديد من النتوءات والتساؤلات التي تحتاج إلى إجابات وتساؤلات أخرى تبحث بإصرار عن رفع الاستفهام الذي يعقبها عادة وبإلحاح منقطع النظير، كما تحتاج الأنفس إلى ترميم طويل المدى قبل ترميم البيوت والمنازل التي أصبحت شوامخها أطلالا تشتكي أنقاضها أوجاع حرب لم تقو على التفريق بين الأبعد والأقرب من الناس .
غموض لم ينكشف بعد
أثناء المساعي القطرية الأخيرة التي لم يكن لها حظ في النجاح كانت الدنيا مقلوبة رأسا على عقب حيال سرية بنود الاتفاق، وكانت "الصحوة" أول الصحف التي توصلت إلى كشف النقاب عن البنود الخفية التي أكدت الأيام التالية حقيقتها رغم التكتم الشديد عليها، وهي في هذه المرة أشد خفاء من سابقتها، الرئيس من جانبه أعلن وقف الحرب وأكد عدم عودتها، والحوثي يؤكد أن المساعي كانت منحصرة على إتاحة الفرصة لإدخال الإسعافات والمواد التموينية للناس والمقاتلين من الطرفين أعقبها إعلان السلطة للحرب، ورئيس لجنة التوسط يجزم بدوره أن أحدا لم يدعهم إلى بذل جهودهم من الطرفين على السواء الحوثي والرسمي .. وعلى الميدان كلام آخر يجعل الفطين يحتار قبل التفكير في الأمر قليلاً.
على الميدان أخلت القوات الحكومية أغلب مواقعها خلال الأيام القليلة الماضية، وكذا أتباع الحوثي قاموا من جانبهم بإخلاء الكثير من مواقعهم وعاد البعض منهم إلى مناطقهم وتم الإفراج عن بعض المعتقلين وتم تأجيل جميع الأنشطة الأخرى ومنها التعويضات حتى الفراغ من إزالة وإنهاء مظاهر التسلح، ويبدو أن الرغبة في إنهاء ذلك سادت جميع الاتفاقات والبنود من الطرفين بعيدا عن الضمانات الدولية والالتزامات الإقليمية إلا أنها أي الاتفاقات فاقت في حد ذاتها اتفاقات الدوحة الخفية ولا ضير إن نجحت في دفع الهلاك عن الناس طالما الحوثيون يرحبون بالتعايش مع الناس وإن كانوا يحملون سلاحا.
فيما تبقى العوامل الأساسية وراء إعلان وقف الحرب الخامسة بمحافظة صعدة، وكذا البنود التي تم التوافق فيما بين الطرفين عليها خلف الأضواء، مع أن جميع المؤشرات تشير إلى أبعد مما كان عليه الحال في بنود اتفاق الدوحة الأخير بين الجانبين، وبخاصة أن مظاهر الخلاف التي أعاقت الاتفاق قد زالت تماما والتي كانت متمثلة في إطلاق السجناء على ذمة أحداث صعدة، إضافة إلى البند السادس المتمثل في إعادة توزيع وانتشار الجيش على ضوء خارطة تعود به إلى مواقعه فيما قبل عام 2004م .
وتبقى الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف جميع ذلك وإماطة النقاب عما خفي على المراقبين والمهتمين من المتابعين في مسيرة متزامنة من البحث والتنقيب مع الجهود المبذولة من لجنة الوساطة لتنفيذ المهام الموكلة إليها بين الجانبين، إلا أن الأمر الوحيد الذي يظل الإجماع عليه قائما يتمثل في عدم عودة الحرب مرة أخرى ، وإن حدث ذلك فان الخطب سيكون جللاً والفاجعة عظيمة.
(الدراجات النارية من وسائل للتفخيخ إلى مصادر للرزق)
تعويض وتجنيد:
أبدى محافظ المحافظة حسن مناع من جانبه حرصًا كبيراً على إعادة النازحين إلى مناطقهم وتحمل السلطة المحلية أعباء وتكاليف نقلهم وإعادتهم إليها، وفي ذات الوقت استعدادات بالتعويضات وتقديم مبالغ مالية وصلت إلى عشرة آلاف ريال كأجور نقل، إضافة إلى صرف وحدات تموينية مكونة من الدقيق والأرز والسكر والزيت وما إلى ذلك ، وخلال هذه الأيام تقوم العديد من المنظمات والجمعيات الخيرية بما فيها الهلال اليمني وأطباء بلا حدود وغيرها من الجمعيات الأخرى بأعمال إغاثية وإسعافية والترتيب لمشاريع ضخمة.
وفي هذا المنحى يقول محمد قاسم زيد مدير جمعية الأمل الخيرية إن الجمعية باشرت كغيرها من الجمعيات والمنظمات الأخرى مشاريع إغاثية كبيرة تقدر بملايين الريالات مساهمة في التخفيف عن معاناة المنكوبين ممن طالتهم أيادي الحروب الغادرة وزجت بهم في أتون المعاناة التي كان أقلها وأيسرها التشرد والنزوح وترك البلاد والمنازل والممتلكات عرضة للسطو والنهب حين خرج غالبيتهم دون أثاثهم أو مالهم تاركين منازلهم عرضة للدمار والخراب جراء الحرب التي لم تترك شيئا إلا أتت عليه.
وكم هي الفرحة التي عمت أصحاب الدراجات النارية الذين أطلقت دراجاتهم وسمح لهم بالعمل وعلى وجه الخصوص الذين لا يمتلكون مصدرا للدخل وإعالة أسرهم بعد القيام بترقيمها وقد مضت عليهم أشهرا من التوقف منذ حادث جامع سلمان الذي استخدمت فيه إحدى الدراجات النارية لتفجير المصلين اثر فراغهم من صلاة الجمعة .
وصحب إعلان وقف حرب صعده تجنيد أعدادا كبيرة من أبناء المحافظة وصل إلى أكثر من ستة ألاف جندي مستجد موزعين على المناطق ومشايخ القبائل الأمر الذي دفع بالكثير من الشباب والعاطلين إلى التزاحم أمام بوابات الأمن المركزي والمعسكرات والتدافع لدى المشايخ والواجهات بحثا عن وساطة تمكنهم من الوصول إلى الظفر برتبة جندي مستجد ابتعادا عن مراحل المعاناة التي تكبدوها جراء سنوات البطالة التي ألقت بالكثير من أمثالهم إلى محرقة المواجهات المسلحة بدوافع الفكر والاعتقاد .
المكسب الوحيد من الحرب !!
تخوض صعدة خلال هذه الأيام مواجهات أشد ضراوة واستبسالا من مواجهات المعارك التي خاضها رجال القوات الحكومية والمسلحين من أتباع الحوثي خلال السنوات والأشهر الماضية في مناطق صعدة وسفوحها وعلى جبالها ووديانها ..
غير أن هذه المواجهات اقتصرت على العديد من المثقفين والمتابعين لما يدور اليوم من مساعي سلمية لإنهاء التوتر وإزالة أسباب الخصام ومنابت الفرقة التي غذتها العديد من العوامل ذات العلاقة حين تكاملت لتنتج حروبا أحرقت الأخضر واليابس وصفها زعيم الحوثيين بالحرب التي خسر فيها الجميع فيما اظهر إعلان وقف الحرب الرئيس صالح برجل السلام في منظور الكثير من أبناء محافظة صعدة .
وتتواصل تلك المواجهات الفكرية لتعكس أن أبناء صعدة تعلموا شيئا جديدا من جميع تلك الحروب والذي يعد المكسب والمنجز الوحيد الذي خرجوا به، لقد تعلموا أسلوبا جديدا لتناول مشاكلهم من خلال الحوار وتبادل الآراء وإتقان فن الإنصات للآخر وإن كان على النقيض.
حين يجتمع في بعض "المقايل" العديد من الأطياف والمشارب الفكرية ذات التوجهات المتعددة مابين الاتجاهات السلفية وغيرها والوجاهات القبلية والشخصيات العسكرية والمدنية وقد جمع الكل عامل واحد وحيد ومشترك بحثا عن أساليب متقدمة لنقل المواجهات من ساحات العنف والقتال إلى ساحات الفكر والثقافة والتغلب على الجراح والآلام من خلال البينة والحجة الشرعية والدليل الدامغ والاستعداد بالقبول للرجوع إلى الرأي الصواب من الخطأ حين ثبوت ذلك، إن صدقت النوايا بوضع الإصرار على العزة بالإثم جانبا حتى يتمكن الجميع من العيش في سلام شامل ووئام فكري عام ولكلِ حق الاحتفاظ بما عليه من معتقدات وتوجهات فكرية لا تمثل عامل إعاقة أو وسيلة للضرر بالآخر .
|