|
?
أخيراً، نزع نظام آل سعود الغطاء عن قدر قلقه وقرر التدخل المباشر في الحرب الدائرة بين الجيش اليمني والمتمردين الحوثيين في منطقة صعدة، لكنه لم يعلن ذلك صراحة وتدثر بمبدأ لا يمكن لأعتى خصومه أن ينتقده، وهو حماية أمنه الداخلي في مواجهة المتسللين الحوثيين الذين بادروا بالاشتباك مع جنوده .
تأكيده هذا المبدأ، استظل نظام آل سعود في تحركه الذي بدأ الأربعاء 4/11/2009 بما يوفره له القانون الدولي من حق في صدّ أي خطر يتهدده .
وفيما تشدد السعودية على أن ضرباتها للمتسللين لا علاقة لها بالصراع الدائر بمنطقة صعدة تؤكد الشواهد أن قرار شن هذه الضربات، حتى وإن تمت داخل الأراضي السعودية كما تقول الرياض، تأسس على قاعدة الخوف من امتداد تأثير هذا الصراع لخارج اليمن.
يؤكد ذلك كثافة الضربات التي وجهتها الطائرات السعودية للمواقع التي يتواجد بها المتسللون، وكذا تأكيد الرياض أنها لن توقف عملياتها إلا إذا تمكنت من القضاء على هذا الخطر، فضلاً عن حالة الاستنفار الشعبي التي لم تشهدها المملكة منذ حرب الخليج الثانية.
وفيما أكدت الرياض أن تحركها العسكري، على كثافته، لن يتجاوز حدود إخراج العناصر المسلحة التي تسللت لمنطقة جازان وهاجمت وحدة لحرس حدودها فقتلت جندياً وأصابت آخرين، تحدثت المعلومات الصادرة عن الحوثيين، عن توغل سعودي في الأراضي اليمنية، وعن مواجهات ميدانية وخسائر في الجانبين وبين المدنيين, ما يعني أن ثمة احتمالات قائمة للانتقال بالمواجهة إلى مرحلة حرب عصابات ربما كانت عملية التسلل مجرد طعم لها ليدخلها السعوديون والحق أن مسألة الدعم السعودي للسلطة اليمنية في مواجهة التمرد الحوثي ليست جديدة ولا سرية.
الجديد فقط هو الطريقة التي أدارت بها المملكة هذا الفصل من الأزمة، وكذا الخطر الذي ينتظر قواتها إذا نجح الحوثيون في استدراجها لفخ حرب العصابات الذي وقعت فيه من قبل قوات الجيش اليمني.
الحسابات السعودية
أبرز ما ميّز الطريقة السعودية في إدارة الأزمة هو القدرة على توظيف خطأ التسلل الحوثي لتلجيم أية معارضة محتملة لعملياتها العسكرية، حيث تم تقديم هذه العمليات كرد فعل على عمل أخرق قام به الحوثيون ضد أمن وسلامة المملكة، وكإجراء داخلي لا علاقة له بأي مؤثرات خارجية.
ويلفت النظر هنا أن المشاركين في آخر العمليات التي حاول تنظيم القاعدة تنفيذها داخل السعودية قدموا من اليمن.
ومثال ذلك الشاب الذي حاول في رمضان الماضي اغتيال مساعد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، وثلاثة آخرين حاولوا قبل أسبوعين الدخول من منفذ حدودي بجازان بكمية كبيرة من المتفجرات.
والواضح أن صانع القرار السعودي حسم أمر استخدام القوة المسلحة والمكثفة ضد المتسللين، بعد دراسة معمقة لمعطيات الواقع الإقليمي التي يمكن تلخيصها في ما يلي:
1ـ إن إيران المشغولة بقضيتها النووية ثم بمتابعة تطورات الأوضاع في باكستان وأفغانستان، لن تقامر بالتصدي لعمل يبدو في نظر العالم مشروعاً، كما أن الأطراف الشيعية ذات الثقل بالمنطقة تبدو مستغرقة تماماً في شأنها المحلي (حزب الله).
ويمكن متابع الأيام الأولى للضربات السعودية القول إن هذا التقدير كان صحيحاً، حيث اكتفت طهران بمتابعة الموقف، مع إظهار قدر من التعاطف الإعلامي مع ضحايا الهجمات، وإبراز المكاسب التي قال الحوثيون إنهم حققوها كأسر جندي سعودي وإصابة عدد آخر.
أما القوى الشيعية فلم يصدر عنها غير مناشدات لوقف هذه الهجمات والبحث عن حل سلمي للأزمة.
2ـ إن القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تعاني في العراق وأفغانستان من خطر الجماعات التي تسميها متمردة، لن تتخذ موقفاً متعاطفاً مع الحوثيين، حيث اكتفت واشنطن بالدعوة لعدم تعريض المدنيين والبنى التحتية لأخطار استمرار الحرب.
3ـ إن النظام الإقليمي العربي الذي يسيطر عليه محور حلفاء المملكة (مصر – الأردن - دول الخليج) سيوفر للعملية العسكرية دعماً قومياً، ولا سيما مع التقارب الكبير الذي حدث بين الرياض ودمشق جراء الزيارة التاريخية التي قام بها الملك عبد الله للعاصمة السورية في تشرين الأول الماضي.
وقد عبّرت مصر عن انزعاجها من التطورات الأخيرة، ورأت فيها «مساً بالأمن القومي السعودي والمصري لارتباط أمن البلدين بأمن البحر الأحمر».
كما حمّلت الجامعة العربية الحوثيين مسؤولية هذا التدهور، مبدية ثقتها في «قدرة الحكومتين السعودية واليمنية على احتواء الموقف، والعمل معاً على تأمين الحدود بين البلدين».
خطر الغرق في مستنقع صعدة
رغم النجاح السعودي في تقدير معطيات اللحظة، إلا أن حسم المعركة يظل محفوفاً بخطر الانجرار لحرب عصابات مع المتمردين الذي أظهروا طوال السنوات السابقة تفوقاً فيها أو على الأقل عدم خسارتها، غير أن هذه التقديرات لا تعني بالضرورة أن القوات السعودية بمنأى عن الانجرار لحرب العصابات، فثمة قرارات لحظية قد تؤدي إلى تحولات ميدانية مفاجئة، كما أن فشلاً في مواجهة واحدة قد تمنح الطرف الأضعف قدراً من المعنوية التي تزيده إصراراً على مواصلة القتال، ولا سيما لو أيقن أنه يخوض معركته الأخيرة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى قرار السلطات السعودية بإجلاء السكان من القرى الحدودية إلى مخيمات آمنة، كأنه إقرار بأن الحرب ستطول.
كما تبدو التسريبات الصادرة عن مستشارين للحكومة السعودية بأن عمليات القصف طالت معسكرات للمتمردين في محافظة صعدة، وذلك بالتنسيق مع صنعاء، كمؤشر على أن الخطاب السعودي قد لا يحافظ على ميزته الرئيسية وهي التماسك السياسي والإعلامي.
وفيما ينظر البعض لحرص المصادر الطبية السعودية على إعلان أعداد ضحايا المواجهات اليومية كجزء من الرغبة في إظهار خطورة الحوثيين، ومن ثم حشد الشارع السعودي وراء العمليات العسكرية، يرى آخرون أن مثل هذا الإعلان – بصرف النظر عن حدود صحته– يحمل رسالة محفزة للحوثيين مفادها أنكم قادرون على تكبيد خصمكم خسائر كبيرة.
|