أحدث أشكال التطبيع السعودي/ الإسرائيلي

? من مدينة كرونبرغ الألمانية وفي إطار محاضرة ألقاها الأمير تركي الفيصل السفير السعودي السابق في لندن وواشنطن طرح الأمير فكرة جديدة لدفع عجلة السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل وتطرق لمشروع جديد يدعو إلى اعتبار الإسرائيليين يهودا عربا من اجل اندماجهم في جغرافية المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط الأطلسي، وسيؤدي هذا في رأيه إلى تعاون مستقبلي بين الطرفين على المستوي السياسي والعلمي والتربوي والاقتصادي. وتنبأ أن الزيارات بين الجهتين ستحقق في حال قبلت إسرائيل بالمبادرة العربية للسلام والتي طرحها العرب عام2002. ما يهمنا في هذه المحاضرة هو الفكرة الجديدة والتي تسبغ على الإسرائيليين الهوية العربية وتنزع عنهم إسرائيليتهم من أجل تحقيق السلام حسب رأيه.
جاء الرد على الأمير من قبل يوسي الغار بالرفض حيت شدد الغار على أن الإسرائيليين شعب يهودي يعيش حياة مستقلة في بلده التاريخي كيهود وليس كيهود عرب أو يهود أوروبيين. ويعتبر هذا الرأي عن الشعور العام لدي الإسرائيليين والذي ارتبط بالحركة الصهيونية منذ بدايتها حيث خلطت هذه الحركة بين الدين والقومية واعتبرت الأول ثقافة جامعة يشترك فيها الجميع والتي تنتج عنها قومية دينية ولكنها علمانية في نفس الوقت أدت إلى نشوء المصطلح الإسرائيلي وتفعيله كهوية حديثة تجد لها موطنا في جغرافية محددة تستمد شرعيتها من نصوص دينية قديمة.
وبالفعل كانت هناك مجموعات بشرية تدين بالديانة اليهودية لكنها معربة ثقافيا من الدار البيضاء مرورا بمدن شمال إفريقيا ولبنان وسورية والعراق وانتهاء باليمن. ولكن الأمير ينسي أن هؤلاء لم يكونوا يوما ما من مؤسسي الحركة الصهيونية والتي هي حركة تستمد ثقافتها ليس من المحيط العربي الذي عاش فيه هؤلاء اليهود وإنما من المحيط الأوروبي وفكره وثقافته.
انضم هؤلاء اليهود من الجاليات اليهودية العربية إلى المشروع الصهيوني في وقت لاحق نقلت الصهيونية العالمية جاليات كبيرة من بغداد إلى المغرب على متن طائرات خاصة حملتهم إلى إسرائيل حيث استوطن هؤلاء في فلسطين واستقروا فيها بينما أقلية منهم نأت بنفسها عن عملية الاستيطان هذه وأثرت أن تهاجر لإلي عواصم أوروبية بعيدا عن المشروع الصهيوني والتي لم تجد فيه ما يعبر عن هويتها الحقيقية والتي انطلقت من كونها تنتمي ثقافيا إلى العالم العربي وليس إلى المشروع الصهيوني الأوروبي الذي تمثل في الكيان الإسرائيلي، هاجر هؤلاء بعد استيطان قصير في لإسرائيل إلى بريطانيا وفرنسا وبعضهم اتجه إلى الولايات المتحدة بحثا عن مقرا بعيدا عن المشروع الصهيوني ولا تخلو منطقة شمال لندن من يهود عراقيين وبعض إحياء باريس والمدن الفرنسية الجنوبية من يهود ناطقين باللغة العربية مستهلكين للثقافة التي عاشوا في رحابها وبلورت صورتهم ومخيلتهم رغم اختلافهم الديني مع أغلبية السكان في العالم العربي.وحتى في إسرائيل نفسها نجد أن بعضا منهم يكتب باللغة العربية وهي لغته الأم ومنهم شعراء وقصاصون معروفون.
طموح الأمير أن يسبغ الهوية العربية على هذه الشريحة اليهودية ليس هو المقصود بل إن المقصود هو زج اليهود ذوي الأصول الأوروبية المسيطرين على الدولة الإسرائيلية في هوية يرفضونها بل أنهم يحتقرونها. ونذكر هنا قصة حديث مع يهودي كندي هاجر أهله إلى كندا في بداية القرن العشرين من روسيا حيث قال هذا الشخص إن يهود أوروبا هم مجموعة حضارية لها ثقافة إنسانية متقدمة وان ما تقوم به إسرائيل من عنف وإبادة في فلسطين هو نتيجة اختلاط الإسرائيليين في محيط عربي متخلف والذي بدأ هؤلاء بتبنيه مما أدى إلى ابتعادهم عن ثقافة البلدان الأوروبية المتحضرة التي قدموا منها بعد الحرب العالمية الثانية. وبهذا فسر هذا اليهودي مأزق إسرائيل على أنه نتيجة حتمية لانغماسها في الثقافة العربية وممارساتها المتخلفة حسب رأيه. بين طرح الأمير وطرح هذا اليهودي معضلة لن تحلها دعوات الأول لإسقاط الهوية العربية على الإسرائيليين لأن في ذلك مجازفة تجعل أللإسرائيلي أكثر تخلفا مما هو عليه الآن حسب رأي الثاني.إذن الهوية العربية مرفوضة بل مدانة حسب رأي اليهودي الكندي وهو ليس وحيدا في تبني هذا الرأي إذ أن الكثير من يهود أوروبا يشاطرونه هذا الرأي من خلال ممارساتهم العنصرية تجاه اليهود الشرقيين في إسرائيل نفسها. ليس غريبا على الهوية العربية والثقافة أن تستوعب عناصر أخري كانت في الماضي تنتمي إلى مجموعات لغوية واثنيه مختلفة انصهرت بالبوتقة العربية وذابت فيها. وخير دليل على ذلك التزاوج العربي البربري في شمال أفريقيا حيث نمت مجموعات ممزوجة لا تستطيع تحديد أصولها السابقة في خانة أو أخري. وكذلك في مناطق أخري من العالم العربي وعلي خلفية التغني بالأنساب والأصول النقية نجد أن الحضارة العربية من أكثر الحضارات تقبلا للاندماج مع شعوب أخري وجاء هذا تحت مظلة رسالة سماوية موجهة لإلي البشرية جمعاء وليس إلى مجموعات تعرف الانتماء على انه منبثق من الأمومة اليهودية التي تفرض تعريفا محدودا للهوية ينطلق من منطلق الدم والنسل تماما كما هو الحال عند الديانة اليهودية. وليس هذا محصورا في النطاق القومي العام بل أن القبائل العربية والتي هي مشهورة بالتغني بأنسابها النقية نجدها في كثير من الحالات امتصت مجموعات أخرى التصقت بها عبر التاريخ رغم كونها لا تنتمي لإلي شجرتها والتي تفتخر أنها بقيت نقية كمخطوطة نسب ترجع جذورها إلى عصور غابرة. ومن اجل التعاطي مع هذه الحقيقة التاريخية اخترع العرب مصطلحات تحاول أن تفصل بين ما يسمي بالعرب العاربة والعرب المستعربة ولكنها بقيت مصطلحات عقيمة غير قادرة على أن تفعل وتتداول خاصة في الحقبة التاريخية الحالية.ورجع العرب إلى قحطان وعدنان في محاولة أخيرة لتحديد كيانهم ولكن بقيت هذه التقسيمات غير قادرة على تجاوز الواقع الحقيقي الممتزج تاريخيا وحاليا والمخالف للهوية المكتسبة وليس التي تصورها مخيلة المهووسين بالأنساب ونقائها ورسوماتها الكاريكاتورية لأشجار الأنساب الوهمية.
وأن عدنا إلى خطاب الأمير ودعوته إلى اعتبار الإسرائيليين يهودا عربا فلا بد أن نتساءل في أية خانة سيوضع هؤلاء أن سلمنا جدلا أنهم سيقبلون بهذه الهوية العربية المسقطة عليهم رغم اعتراضهم. هل سنسحبهم على العرب العاربة الأقحاح حسب تصنيفات العصور الغابرة أم نعتبرهم عربا مستعربة فينضمون إلى ذلك المزيج الذي أفرزته فتوحات العرب السابقة تحت مظلة الإسلام؟ نقترح هنا اعتبار اليهود من ضمن ما يصنف بالعرب البائدة الذين ذهبوا دون عودة ومنهم طمس وجديس وثمود. لقد اندثر هؤلاء في السابق تماما كما اندثر يهود العالم العربي الذين احتفظوا بديانتهم رغم تبنيهم للثقافة العربية في قراهم وإحيائهم في المدن العربية ما قبل عام1948.
لقد قطعت الدولة الإسرائيلية على هؤلاء خط العودة منذ أكثر من نصف قرن واقتلعتهم من جذورهم عندما سخرت طائرات خاصة لنقلهم إلى الدولة الإسرائيلية. وان تعرض هؤلاء إلى مضايقات وعنف نجد أن هذا كان نتيجة حتمية تلت تأسيس الدولة الإسرائيلية ولم تكن سمة ثابتة لتعايشهم في وسط عربي أستوعبهم من الأندلس إلى بغداد. ولم يستوعبهم فقط بل آن بعضهم ترعرع في بلاط سلاطين العرب ووجد وظائف مختلفة وشارك في الاقتصاد والثقافة رغم اختلافه الديني مع البلاط ورعيته. كان على الأمير أن يشير إلى هذه الحقيقة لا أن يدعو إلى إسقاط هوية عربية مرفوضة أصلا من قبل الإسرائيليين. كذلك كان عليه أن يفتح ملف إسرائيل ليس من باب الهوية بل من باب واسع يذكر مستمعيه الألمان وهم من أكثر المنظرين للهوية بالدور الأوروبي الذي أدى إلى هذه الكارثة المسماة إسرائيل والتي يبحث لها الأمير اليوم عن هوية جديدة من أجل السلام المرجو.أن كان هناك يهود عرب اليوم فهم بالفعل عرب بائدة قطعت عليهم إسرائيل فرصة حياة جديدة وانبعاث يعيدهم إلى محيطهم الذي عاشوا فيه تماما كما قطعت على فلسطينيين طريق العودة إلى قري ومزارع هجروا منها. أما على المستوي الشخصي فلن يبقي من يهود العرب البائدة سوي القصص التي تتحفنا بها روبكا عن حياتها في وادي أبو جميل في بيروت الأربعينيات وأم سامي في بغداد الخمسينات أنها مرويات وذكريات ثرية دمرتها إسرائيل تحت مظلة المشروع الصهيوني.

   اليمن الكبرى

   

عــودة