|
?
تلفت الصياغات الأيديولوجية المبكرة للوهابية في منتصف القرن الثامن عشر إلى رؤية طوباوية تميل إلى موضعة العالم ضمن سياق دوغمائي يضمر تصميماً مبيّتاً على تغيير شامل جيوتاريخي. وكان التحالف السعودي الوهابي العام 1744 قد أخفى في داخله عناصر اشتباك مؤجّل، كشفت عنها لاحقاً محتويات أجندتين سياسية وعقدية، تنزع الأولى إلى توفير مكوّنات الدولة، فيما تجنح الأخرى إلى تخصيب عناصر بناء الأمة.
مثّل ظهور الحركة الوهابية في نجد والتطوّرات المتّصلة بها نقطة تحوّل دراماتيكية في تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة بصورة عامة. وارتبطت هذه الحركة باسم مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القادم من منطقة شبه معزولة في الجزيرة العربية، أي قرية الدرعية في منقطة نجد. وكان الشيخ مأخوذاً بالانحراف العقدي المزعوم عن الإسلام من قبل السلاطين العثمانيين، وأشراف الحجاز، وقادة قبيلة شمر في حائل، والشيعة في الإحساء والقطيف. وكتب في هذا الشأن أن الإسلام، فوق كل شيء، نبذ لكل أنواع الآلهة، ورفض السماح للآخرين بالمشاركة في العبادة الخالصة لله وحده. ويعرّف الشرك على أنه شرٌّ مهما كان موضوعه، سواء كان ملكاً أو نبياً أو قديساً أو شجرة أو قبراً. ولذلك، فإن الجيش العقائدي الوهابي أقدم على تدمير قبور صحابة النبي لأنها، بزعمه، أصبحت مورد تبجيل من قبل العامة. ويزعم الشيخ إبن عبد الوهاب بأن (أكثر الخلق قد أضلّها الشيطان..وبات جلياً أن الأرض ملئت بالشرك الأكبر وعبادة الأوثان).
حاصل هذه الرؤية، كما خلص إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أن نجاح الإصلاح الديني يتوقف على قدرته على إرغام غير المؤمنين للخضوع لنظام قهري، يضطلع بتوفير الحماية للدين ويكون وسيلة لبسط سلطته وانتشاره في الآفاق.
نواة الأمة
قبل نزوحه إلى الدرعية، لجأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى العينة تحت حكم عثمان ابن معمر، الذي أبعده بأمر من حاكم بن خالد، سليمان بن محمد، المزوّد الرئيس للبضائع والمتكفّل بتأمين طرق التجارة في منطقة نجد. ويرد قرار الحاكم الخالدي إلى إصرار الشيخ ابن عبد الوهاب على تطبيق الحدود (الرجم، والجلد) في العيينة، ما نبّه إلى مسعى تحويل البلدة إلى نواة إمارة إسلامية.
بعد وصوله إلى الدرعية، تم التوصّل إلى توافق بينه وبين محمد بن سعود على قاعدة تقاسم السلطة، والتي أفضت إلى تحويل الدرعية إلى (دار هجرة وإسلام). وقد دعا أنصاره للهجرة إلى الدرعية بغية الشروع بإقامة إمارة إسلامية. ومن قبيل الفائدة الإشارة إلى تصوّر التيولوجيين الوهابيين بشأن هجرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من العيينة إلى الدرعية، بوصفها هجرة دينية، تتساوى وهجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة.
عثر الشيخ الطموّح ملجئاً في الدرعية، التي عمل فيها على تنشئة أنصاره على أفكار تيولوجية تبطن توجيهات سياسية بعيدة المدى ومفتوحة. وكان استحواذ الشعور بتشرّبه رسالة إنقاذية للمسلمين من أهل الضلال، يستحثّه على مزاولة دور رسولي عبر إرسال الموفدين والنداءات إلى زعماء القبائل، وحكّام المناطق، والعلماء للانضمام إلى الدعوة الجديدة. تفسّر هذا الدور رؤية عقدية صارمة مفادها أن أولئك المسلمين الذين يسلكون مساراً متعارضاً مع الإسلام الوهابي هم أكثر جاهلية وشركاً من أولئك الذين نشأوا في (الجاهلية الأولى).
في ضوء هذه الرؤية، أرشد الشيخ ابن عبد الوهاب أتباعه لفصل أنفسهم نفسياً ومادياً عن المجتمع الجاهلي الذي يعيشون فيه والهجرة إلى المجتمع البديل الذي كان في طور التشكّل في الدرعية، دار هجرة وإسلام. وهذا يدلل على أن استكمال شروط الإسلام متّصل حميمياً بالهجرة إلى المجتمع الجديد. وشدّد في نص بالغ الوضوح على أن (الهجرة فريضة دينية، ومن أفضل العبادات، وسبب صون دين العباد وحفظ إيمانهم).
ولذلك، كانت نجد تعتبر دار هجرة، منذ أن شرعت مجموعة من المسلمين بالهجرة إليها واستقرّت فيها مقتفية إملاءات الإمام. وأن أولئك الذين استوطنوا نجد حظوا بمعنى ديني وأسبغ عليهم مسمى (المهاجرين). وفي متابعة دلالات مصطلح (الهجرة)، والسياق الذي تم تطبيقه فيه، نجد بان الهجرة كانت المدخل والخطوة الحاسمة لجهة إعلان الجهاد، حيث تصبح الهجرة والجهاد متواشجين نظرياً وعملياً. وفي حقيقة الأمر، فإن تسلسل الأحداث تبدي بوضوح تلك العلاقة التراتبية بين المفهومين حيث لا جهاد بدون هجرة.
وفيما يرتبط بالهجرة، والتي تشير إلى الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، يشرح الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ، أحد المتحدّرين من مؤسس الوهابية، هذا المفهوم على النحو التالي: ما يجب معرفته أنه حيثما ساد الظلم والعصيان، فإن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالهجرة من أجل حفظ هذا الدين وصون أرواح المؤمنين ضد الشرور فلا تخالط أهل الضلال والعصيان، حيث يتم تمييز أهل العدل والإيمان من طائفة الفساد والعدوان، وحينئذ ترتفع راية الإسلام..فبدون هجرة لا تقوم لهذا الدين من قائمة ولا يعبد الله، ومن المستحيل بدون هجرة أن يجحد بالشرك، والظلم والشر.
حاصل هذه الرؤية العقدية، أن عديداً من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب هاجر إلى الدار الجديدة والانضمام إلى المجتمع الناشئ من المؤمنين المخلصين، حيث تم تنظيم وتالياً تجريد الحملات العسكرية ضد المناطق المجاورة. ولم يكن ذلك مشروعاً ما لم تقسّم العقيدة الوهابية العالم إلى معسكرين: دار إسلام ودار حرب، أو دار المشركين، وتشمل كل المسلمين تقريباً، باستثناء الفئة التي قررت الهجرة إلى الدرعية واعتنقت المذهب الوهابي.
وفي رد فعل على العقائد التكفيرية الوهابية من قبل داوود باشا، الوالي العثماني في بغداد في الفترة ما بين (1817 ـ 1831)، أكّد محمد بن سعود على تلك العقائد ووصف رعايا الدولة العثمانية بالمشركين والكفّار. وبنفس اللهجة التيولوجية القاطعة، أعتبر الشيخ حمد بن عتيق (1812 ـ 1883)، وكان من العلماء الوهابيين البارزين في عهد فيصل بن تركي في الدولة السعودية الثانية، المدينتين المقدّستين في الإسلام بأنهما مدينتا شرك (كما ورد في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، طبعة مصر 1932 الجزء الأول).
بدا واضحاً، أن التكفير مندغم في مفهوم الجهاد والغزو، إذ بات الجهاد مبرراً عبر تكفير المجتمعات المستهدفة. أصبح آل سعود ملاذاً لنموذج الإسلام الوهابي، والذي تأسست عليه مشروعية حكمهم، فأصبحت الوهابية مذهب الدولة. وتم تثميرها ضد المعتقدات والمناطق الأخرى لأسباب سياسية. وأمكن الجدل، في ضوء ذلك، أن بدون الوهابية لم تكن عائلة آل سعود قادرة على حكم الجزيرة العربية.
وبموجب تفاهم صلب، دخل التحالف التاريخي بين آل سعود وآل الشيخ حيز التنفيذ سنة 1744، بهدف تحقيق مصلحة مشتركة: كانت الوهابية تبحث عن مصدر حماية، فيما عثر آل سعود في الوهابية على أيديولوجية مشرعنة. ومن الواضح، فإن الأهداف الإستراتيجية للتحالف تتخلص في الفتح والغنيمة.
وبالرغم من أن التحالف كفل للأمير محمد بن سعود وأبنائه حقوقاً سياسية، فيما ضمن للشيخ محمد بن عبد الوهاب وسلالته سلطة دينية، فإن العلماء الوهابيين مارسوا دوراً فاعلاً في الشؤون العامة. فقد حظي الشيخ إبن عبد الوهاب، على سبيل المثال، بسلطة مطلقة لإعلان الحرب والسلام، فيما كانت القرارات الصادرة عن محمد بن سعود وخليفته عبد العزيز بأمر منه. واستمرت هذه الحالة حتى بعد فتح الرياض سنة 1773، حين نقل الشيخ ابن عبد الوهاب جزءً من السلطة إلى الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، إلا أنه كان يعمل بموجب توجيهات الشيخ وتعليماته. في مواجهة ذلك، فإن التعاليم الوهابية تشدد على أن طاعة الحكّام فريضة دينية وأن من يخرجون عليهم هم عصاة.
وقد حشد علماء الوهابية الزخم الشعبي لترسيخ الحكم السعودي، حيث أملوا على العامة واجب دفع الزكاة لمؤسسة خاصة. وكانت الأخيرة توفد فرقة من جامعي الزكاة مصحوبة بحرّاس مسلّحين الذين يجوبون المناطق بصورة منتظمة لجمع الزكاة. كما وأمر الشيخ ابن عبد الوهاب بتطبيق صارم للشريعة، وخصوصاً في مجال الحدود. من نافلة القول، يختزن هذا الجزء من الشريعة دلالات سياسية واضحة، بمعنى أنه ساهم في إخضاع المجتمع بوصفه ـ أي قسم الحدود والتعزيرات ـ يمثّل خطوة جوهرية من أجل تأمين هيمنة الدولة.
في الدولة السعودية الأولى، أوفد الشيخ ابن عبد الوهاب ثلاثين عالماً إلى مكة في عهد الشريف مسعود بن سعيد (1733 ـ 1752) للتبشير بالدعوة الوهابية. وحين علم ابن عبد الوهاب بأن الوفد تعرّض للإهانة والاعتقال، أصدر أمراً عاجلاً بإعلان الحرب ضد الحجاز. وبناء على حكم ديني، فإن سكّان الحجاز منحرفون عن الإسلام، الأمر الذي دفع بالقوات الوهابية ـ السعودية لغزو الحجاز سنة 1746. وقد أنكر الشيخ ابن عبد الوهاب شكل الإسلام السائد في الحجاز كونه مطبّقاً من قبل الحكم العثماني، والذي اعتبره غير شرعي. في الإدراك الوهابي، لقد حان الوقت لاستعمال القوة لتحقيق ما فشل الإقناع السلمي في تحقيقه.
هذه التجربة تلفت إلى أفق تيولوجي أوسع، حيث تدرج كل المسلمين تقريباً سواء ضمن تخوم الجزيرة العربية أو خارجها ضمن نطاق الاستهداف العقدي والعسكري. وهذه الرؤية الأيديولوجية مثّلت أداة التعبئة عبر التاريخ السياسي السعودي، حيث خضع كثير من المناطق بصورة سلمية للغزاة الوهابيين هرباً من الموت، كما جرى في مناطق من الجزيرة العربية.
وعموماً، يمكن المجادلة بسهولة بأن توحيد نجد مدين للعقيدة الوهابية التي نجحت في صوغ رابطة علوية تستوعب، وفي الوقت نفسه، تتجاوز خطوط الانتماء التقليدية في نجد. فقد أمدّت الوهابية الروابط القبلية النجدية بإحساس متجاوز بالفخر، يحوي بداخله كل الروابط، ويخلق نظام معنى مستمد من التراث المشترك، الديني. وكان تعزيز دور الدين في نجد قد نجح في تحقيق إنجاز تاريخي لافت، والذي فشلت القوى الاجتماعية الأخرى في تحقيقه. فقد أنتجت العقيدة الوهابية رسالة جديدة، وتطلعاً مشتركاً، ورؤية كونية جماعية، تلهم القبائل النجدية قاطبة.
وفي الدولة السعودية الثانية، كتب الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رسالة إلى الأمير فيصل بن تركي، جاء فيها: اعلم إن الله أنعم علينا وعليكم وعلى كافة أهل نجد بدين الإسلام، الذي رضيه لعباده ديناً، وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه، دون الكثير من هذه الأمة، الذي خفي عليهم ما خلقوا له، من توحيد ربهم، الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه..
وقد وقع أكثر من أنعم الله عليهم بهذه النعمة، في التفريط في شكرها، بالغفلة عنها، والتهاون بها، وعدم الرغبة فيها، والاشتغال بما يشغل عنها، من الرغبة في الدنيا..وبسبب الغفلة عن هذه الأمور الواجبة، وقع كثير من الناس في أشياء مما لا يحبه الله ولا يرضاه، كما لا يخفى على من نظر بنور الله..).
وفي رسالة أخرى، لفت الشيخ انتباه الأمير إلى أن (أهل الإسلام ما صالوا على من عاداهم، إلا بسيف النبوة، وسلطانها، خصوصاً دولتكم، فإنها ما قامت إلا بهذا الدين، وهذا أمر يعرفه كل عالم).
وفي أعقاب غزو مكة في أبريل 1803، كتب الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رسالة إلى سعود الكبير وصف فيها أهل دعوته بالقول (أما بعد، فنحن معاشر غزو الموحّدين). وصوّر غزو مكة بالقول (أنعم الله علينا بغزو مكة يوم السبت الثامن من محرم سنة 1218هـ (= 29 أبريل 1803)، بعد مناشدة وجهاء وعلماء مكة وكافة أهلها من أمير الغزو بالعفو والأمان).
ويبدو لافتاً إسقاط تجربة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خلال فتح مكة في السنة التاسعة للهجرة على تجربة غزو مكة من قبل الجيوش الوهابية السعودية، حيث يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب (عفا الأمير عن من كانوا بالمسجد الحرام، ثم دخلنا وكان شعارنا التلبية، مؤمّنين، وملحّقين رؤوسنا أو مقصّرين، لا نخشى أحداً من الخلائق، إلا من رب يوم الدين. وبعد أداء شعيرة العمرة، جمعنا الناس ضحى، وطلب الأمير من العلماء بالتسليم لما طلبنا الناس به وقاتلناهم لأجله، وهو التسليم الخالص لله..الخ).
ومنذ أسبغ الشيخ محمد بن عبد الوهاب معنى دينياً على الغزوات، بات أنصاره مجهّزين بسلاح حيوي، من أجل تعزيز النزعة التوسّعية للسلطة السعودية. وبحسب المؤرخ الوهابي ابن بشر، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفع راية الجهاد بعد أن كانت حروباً وغزوات. ولذلك، فإن القبائل النجدية تعهّدت للشيخ ابن عبد الوهاب وعبد العزيز بن محمد بأنها ستقوم بالجهاد ضد المشركين، ودفع الزكاة للدولة، ما يوحي بأن الدولة السعودية ـ الوهابية اكتسبت دلالات دينية، وحتى الجنود الذين التحقوا بمعسكرات التدريب كانوا على قناعة بأنهم باتوا جيش الفتح، وعليه، التزموا بواجب ديني وليس خدمة عسكرية محض.
يرجع التقويم الوهابي فشل الدولة السعودية في المرحلتين الأولى والثانية إلى الفصل بين الملك والدين، الأمر الذي دفع أحفاد الشيخ إبن عبد الوهاب للعمل على إحياء مشروع الإمارة الإسلامية، بيد أن الصراع على السلطة داخل الطبقة الحاكمة، وغياب قيادة كاريزمية أجهضت محاولات العلماء.
الثنائية الوهابية
تتطلب الرؤية الكونية الوهابية قسمة العالم إلى معسكرين: الأول يشمل المسلمين المطّلعين على تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والثاني يضم الكافرين من المسيحيين واليهود وغيرهم، والمشرّكين (من المسلمين غير الوهابيين)، والذين يعيشون حالة (الجاهلية).
وتملي هذه القسمة الأيديولوجية شكل استقالة أو بصورة محددة عزلة عن المجتمع الجاهلي، كمرحلة أولى من تمرد سلمي على الواقع السائد، على أمل تشكيل مجتمع جديدة مشبّع بالعقائد الوهابية.
وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد طوّر مفهوم (الخروج)، كما وضع لبناته الأولى الشيخ ابن تيمية، بما يحمل في طياته بعداً سياسياً طموحاً. على النقيض من ذلك، فإن مدّ نطاق التكفير بحيث يشمل المجتمع قاطبة تطلب تعطيل معادلة راسخة في تراث الفقه السياسي الإسلام والقائمة على أساس أن وحدة المجتمع قائمة على وحدة السلطة، كون أن كلا الوحدتين فاسدتان، في التفسير الوهابي. ونتيجة ذلك، أن تغييراً شاملاً بات ضرورياً، حيث لا أساس لخطر تفكك وحدة المجتمع، إذ أن مفهوم الجماعة ليس قائماً على توحيد الله، وعليه فإن الطاعة والجماعة غير قابلتين للتطبيق في هذا الصدد.
ينقلنا ذلك إلى تاريخ نكبة الأمة الإسلامية في التقويم الديني الوهابي. بينما تعتبر غالبية المسلمين 24 مارس 1924، أي يوم سقوط الخلافة الإسلامية، ويعدّ القوميون العرب 5 يونيو 1967، يوم النكبة التي أصابت العرب في مقابل الدولة العبرية، يحدد الوهابيون يوم 10 فبراير 1258 يوماً لنكبة المسلمين بسقوط بغداد تحت الاحتلال المغولي. وبوحي من التصويرات الدوغمائية لدى الشيخ ابن تيمية، فإن سقوط الخلافة العباسية يمثّل نهاية الدولة الإسلامية المثالية، والتي تتطلب إعادة بناء الأمة على قاعدة تطبيق الشريعة، بحسب التفسير الحنبلي ـ الوهابي.
ويلمح هذا التفاوت إلى الرؤية الأيديولوجية الوهابية للوقائع السياسية السائدة. بكلمات أخرى، فإن مشروعية الحكومات في العالم الإسلامي عقب سقوط الخلافة العباسية باتت إلى حد كبير غير مؤكّدة. وهذا الموقف عكسه بوضوح سلوك الوهابيين إزاء الدول القطرية في العالم الإسلامي.
ثمة عنصر تيولوجي مندغم في المفهوم المركزي للسلطة الشرعية. ويلزم إلفات الانتباه هنا إلى أن هذا المفهوم نشأ عقب سقوط الخلافة العباسية، ما يدلل على أن المشروعية الدينية والتاريخية قد تعطّلت مع سقوط بغداد. ولذلك، فإن الشيخ ابن تيمية شجّع تشكيل دول صغيرة دخل الدولة، الأمر الذي يوفّر فرصة العصيان ضد الدولة، على أساس عدم التطابق مع معايير الشريعة. وقد يكون ذلك ما جلب اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب لاستحضار ميراث الإمارات الإسلامية خلال العصر العباسي، حيث يختفي المثال (الخلافة) أمام الواقع (الإمارة).
ويصوغ الشيخ ابن عبد الوهاب هذه المعادلة من منظور عقدي بأن الأئمة من كل المذاهب متّحدون على أن من غلب على أرض، فإنه يتمتع بامتيازات الإمام في كل الشؤون. لأن حتى قبل عهد الإمام أحمد بن حنبل وإلى يومنا، فإن الناس لم تتفق على إمام واحد.
وبالرغم من أن الشيخ ابن عبد الوهاب، أسبغ نظرياً أهمية إضافية على موقع الإمام/الحاكم، فإنه فشل في تجسيد هذا المفهوم على إمارة الدرعية. فقد فوّض لنفسه دوراً فريداً كإمام وحاكم. وهذا ما يتذكّره الناشطون السلفيون في الوقت الراهن، من بينهم الشيخ ناصر العمر الذي شدّد على سلطة سياديّة للعلماء على الحكّام/الأمراء.
قدّر لحلم الإمارة الإسلامية أن يراود الأخوان الجدد بقيادة جهيمان العتيبي في نوفمبر 1979، والذي نجح في استقطاب أتباع له من طلبة الشريعة والدعاة. وبوحي من حوافز دينية، فإن الأخوان الجدد أبدلوا دورهم كأعضاء في (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، لجهة الانخراط في مشروع ديني ـ سياسي طموح، موجّه نحو تطبيق الشريعة وإقامة دولة ـ الأمة الإسلامية (=الخلافة)، كما رسم خطوطها النظرية العامة جهيمان العتيبي. ففي نشرة بعنوان (الإمارة والطاعة والبيعة) يحدّد جهيمان شروط طاعة الإمام، من بينها: القيام بأمر الجهاد، فإذا ما عطّله فلا طاعة له.
وما يثير الدهشة، أن زعيم القاعدة في العراق، أبو أيوب الأنصاري يسأل بحماسة لافتة الشعب العراقي: هل يضيركم عباد الله أن نحكمكم بالإسلام؟. جدير بالالتفات إلى أن هذه المجموعة المسلّحة، والتي تقف في مواجهة المجتمع والدولة على السواء لجهة تأسيس (إمارة إسلامية) في ديالى العراق، تستلهم من مفهوم الخروج على الإمام، في حال عدم التزامه بمحددات الشريعة وأحكامها.
ابن سعود والأخوان: صدام مشروعان:
نبّهت طبيعة ومتطلبات العلاقة بين العلماء والأمراء في التاريخ السعودي الملك عبد العزيز، مؤسس الدولة السعودية الحديثة. وكان ظهور عبد العزيز في مطلع القرن العشرين قد أحيا تطلّعات علماء المذهب الوهابي عقب احتلال الرياض سنة 1902.
في هذا السياق، بدأ مفهوم (الإمارة الإسلامية) بالتبلوّر تدريجياً بعد تأسيس أول هجرة في ديسمبر 1912 في الأرطاوية، شمال نجد، والتي وصفها المعتمد البريطاني في البحرين هـ. ديكسون (وكر صغير للوهابية). وكانت الهجرة مصممة لاستيعاب المقاتلين الجدد، الذين تم إخضاعهم لدورة تنشئة عقائدية على تعاليم الشيخ عبد الكريم المغربي. وبدأت حركة الإخوان بقيادة المغربي وفيصل الدويش، زعيم قبيلة مطير، بالتحوّل إلى قوة عسكرية. وقد أثارت الحركة هواجس عبد العزيز، الذي أدهشته البنية التنظيمية المتماسكة، والتصميم الحازم، والالتزام الصارم لدى الأخوان، إضافة، بطبيعة الحال، إلى التهديد الكامن الذي يشكّله هؤلاء لمشروعه السياسي.
بالنسبة للإخوان، فإن ثمة واجباً دينياً يملي عليهم شنّ الغارات على كل أرض يقطنها كفّار ومشركون، ومرتدّون، من وجهة نظرهم. وقد تحدّدت العلاقة بين الإخوان وعبد العزيز بنجاح الأخير في إعادة توجيه مسار الإخوان عبر احتوائهم في ما يربو عن 120 هجرة، لجهة إعادة تأهيلهم، وصولاً إلى تفكيك البنى القبلية. وبدأت الخطة بتغيير مكان الإقامة، وبالتالي الوضع الاجتماعي (من البداوة إلى التحضّر)، والحرفة (من الرعي إلى الزراعة)، وأخيراً الأجندة السياسية (من قضية ذات أبعاد كونية إلى مهمة ودور مقيّدين بالمشروع السياسي السعودي). ولكن إلى أي حد نجح ابن سعود يعتبر قضية أخرى، حيث أن التطوّرات اللاحقة تفيد بأن قادة الإخوان عارضوا بشراسة التحوّل المفاجئ في السلوك السياسي لابن سعود بعد احتلال الحجاز. وفي هذا المقطع، فإن ثمة حاجة لتسليط الضوء على التبدّلات التي شهدها الأداء السياسي لابن سعود في الفترة ما بين 1902 ـ 1932، والتي تلمح إلى صدام بين أهداف زمنية ودينية.
ويمكن المجادلة بأنه في غضون الفترة الزمنية من احتلال الرياض سنة 1902 وحتى احتلال الأحشاء سنة 1913، كان عبد العزيز مجرد حاكم زمني يسعي لتحقيق أهداف دنيوية محض. ولكن دهشته المحفوفة بخطر قوة الإخوان كجيش عقائدي دفعته إلى إضفاء صبغة دينية على أغراضه السياسية، فخلع على نفسه لقب إمام.
وفي سنة 1916، ناشد عبد العزيز النجديين للانضمام إلى جيش الإخوان والالتزام الحرفي بالفرائض الدينية، ودفع الزكاة. ويتّفق مؤرخو السعودية على أن ابن سعود أضاف عنصراً دينياً لمشروعه السياسي سنة 1915، وخصوصاً عقب معركة جراب سنة 1914، والتي أثبت فيها الإخوان بأنهم جيش قوي ومصدر تهديد لحكم ابن سعود ما لم يقدم على احتوائهم ضمن مشروعه السياسي ـ العسكري. وقد استعان عبد العزيز بأحد علماء الدين من آل الشيخ لتحقيق هذا الهدف الكبير، حيث مهّد السبيل إلى إدماج الإخوان كرأسمال واعد في مشروع سياسي طموح.
وتواصل التزام ابن سعود بالرؤية الكونية الوهابية إلى عام 1926، أي حتى احتلال الحجاز. في المقابل، تعهّد الجيش الوهابي بتقديم فروض الولاء لقائده السعودي طالما بقي وفيّاً للعقائد الأصلية للإسلام الوهابي، وتحديداً الجهاد.
بعد الحملة العسكرية على الحجاز، كتب الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق إلى الملك عبد العزيز في فبراير 1924:..لا يخفى ما منّ الله به من فتح الحرم الشريف، وما حصل به من إعلاء كلمة الإسلام، وخذلان أهل الشرك والطغيان والآثام، وهدم ما أحدثه أهل الضلال، من القباب، والمقامات، والبنايات التي على القبور، هو من أكبر النعم عليكم، وعلى المسلمين ( أهل نجد).
اللافت أن عبد العزيز عبّر بلهجة دغمائية عن رأي مماثل بخصوص سكّان مكة، والذين اعتبرهم مشركين، وخاطب جون فيلبي قائلاً: لماذا، حين تعرّض أنت الإنجليزي واحدة من بناتك كزوجة أقبلها، بشرط وحيد هو أن الأبناء الذين يأتون عن طريق الزواج يجب أن يكونوا مسلمين، ولكن لن أقبل بنات شريف أو أهالي مكة أو المسلمين الآخرين الذين نعتبرهم مشركين. وسوف أأكل اللحم المذبوح من قبل المسيحيين بدون تردد. ولكن مصدر كرهنا هو المشرك، الذي يعبد الله بإشراك غيره في عبادته (مثل موضوعات أو مخلوقات من دون الله). فبالنسبة للنصارى واليهود فإنهم من أهل الكتاب).
ويزعم أيضاً بأن: (الصلاة قبل الكعبة أو الأنبياء أو الأولياء، البغاء، الربا، وأشكال مختلفة من الظلم والجهل للسنة كلها بدع ضد القرآن وهي موجودة في بلاد الشرك. وحتى الشخص الأقل ذكاءً يعلم بأن هذه البلاد (أي مكة المكرمة) مدانة بكونها ديار الكفر والشرك، خصوصاً إذا ما أبدى أهلها عداوة لأهل التوحيد، ويعملون ما في وسعهم من أجل إبعادهم عن ديار الإسلام. فهذا الشرك لا يأتي من أهل المدن. وقيل بأنها تأتي من الفخر والجهل..فالشرك باق بسبب عمر بن لحي).
وفي 5 يونيو 1924، جمع عبد العزيز قادة الإخوان، والعلماء، والوجهاء، وزعماء القبائل في مؤتمر بالرياض. وكان الهدف هو تعبئة المجتمع الوهابي وإقناع العلماء بإصدار فتوى دينية لشرعنة الحرب على الحجاز.
وفي أعقاب احتلال جدة سنة 1926، أنشق التحالف بين عبد العزيز وقادة الإخوان عن انقسام عميق تعيده إلى تناقض رؤيتين سياسية/زمنية/محلية وعقدية/عابرة للزمان والمكان/أممية، تتجابهان عند نقطة الاشتباك المباشرة الممثلة في عقيدة الجهاد.
فاق الإخوان على حقيقة مثيرة للفزع، حين اكتشفوا بأن إمامهم لم يكن سوى مجرد (طالب ملك)، وليس إمام هجرة وجهاد. ويرجع هـ. ديكسون الخلاف بين قائد الإخوان فيصل الدويش وابن سعود إلى الأفكار الجديدة التي ناصرها ابن سعود وعمل على تحقيقها بعد استكمال مرحلة احتلال الحجاز. تمظهرت هذه الازدواجية في العلاقة الوديّة التي تشكّلت مع الإنجليز، المصنّفين في الرؤية العقدية للإخوان في خانة الكفّار، والإخفاق في الالتزام الصارم بالتعاليم الوهابية. وكانت انتقادات الإخوان ضد ابن سعود تدور حول شؤون دنيوية مثل: إيفاد ابنه فيصل إلى مصر وانجلترا، كونهما بلاد الكفار، واستعمال البدع الحديثة (التلغراف، واللاسلكي..)، والسماح للقبائل العراقية بالرعي في أراضي نجد والحجاز، والفشل في إرغام سكّان الإحساء على اعتناق الوهابية، ومنع فيصل الدويش وسلطان بن بجاد من تولي الحكم في المدينة ومكة على التوالي.
وفي رد فعل، قام ابن سعود بمحاولات جادّة لجهة إرضاء الإخوان عبر العلماء، الذين كتبوا رسائل للدويش وابن بجاد يحذّرونهم فيها من أي انشقاق أو عصيان ضد حكم إبن سعود. وفي 5 نوفمبر 1928، عقد مؤتمر في الرياض من أجل تقديم إجابات على اتهامات الإخوان ضد ابن سعود، ولكن المؤتمر فشل في إقناع الدويش الذي قرر على الفور إعلان التعبئة العامة في صفوف مناصريه للبدء بحملة عسكرية ضد ابن سعود. وفي سنة 1929، اندلعت مواجهات شرسة في منطقة السبلة انتهت بمقتل الدويش فيما تم إلقاء القبض على ابن بجاد، وإيداعه السجن حيث توفي بعد ذلك، الأمر الذي أدى إلى انفراط جيش الإخوان.
|