|
?
عشية ذكرى انتصار الثورة الإسلامية بإيران أعلن في اليمن عن وقف إطلاق النار وانتهاء جولة من جولات الحرب الدامية بين قوات الجيش النظامي وجماعة الحوثي الشيعية المتهمة بانتمائها لإيران وصلتها الوثيقة عقائدياً بالمذهب الأثنى عشري وبعيداً عن الولوج في الأسباب التي دعت الطرفين إلى اتخاذ هذا القرار إلا أنه جاء في توقيت حاسم قد يمثل انتصارا غير معلن لجماعة الحوثي بعد أن ظن البعض أن الحوثيين يعيشيون أيامهم الأخيرة.
فبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار وإيقاف العمليات العسكرية وليس إنهائها تنفس عبدالملك الحوثي الصعداء وأعطت صنعاء له فرصة أخرى لإعادة ترتيب بيته الداخلي وقضاء فترة استرخاء قد تكون هذه المرة طويلة الأمد وخاصةً مع استهواء صنعاء لقضاء أشهراً تحت عنوان استراحة محارب كما بين كل جولة وأخرى منذ العام 2004م.
نشوة منتصر
يا لها من نشوة تغمر عبدالملك الحوثي بعد أن أصبحت جماعته عصيةً على الانكسار أمام جيشين هما اليمني والسعودي صاحب أكبر ترسانة أسلحة بالمنطقة لتتوقف صنعاء عن تقدمها بعد تعثر جيشها عن التقدم شبراً واحداً وتتخلى عن تعهداتها المتتالية للشعب بالقضاء على التمرد خلال فترة وجيزة وتنهي الجولة دون أن تحقق أي شيء من أهدافها سوى الدماء التي سالت من الجانبين والتكاليف الباهظة للحرب التي تتحملها الخزينة العامة ومن الطبيعي أن نرى آثارها عقب أشهر بجرعة سعرية مرعبه قد تقضي على الرمق الأخير للمواطن وليس الحوثي والرياض التي انجرت أو خُدعت كما
يقول عبدالباري عطوان للحرب لم تحقق من أهدافها شيئاً بل على العكس كُسرت شوكتها وفُضح جيشها أمام مجموعة من المتسللين الذين أرهبوا الجيش السعودي وظلت نيرانهم مشتعلة على جبل الدخان حتى أعلن قائدهم الانسحاب طواعيةً منه عائداً بمجموعة من الأسرى وصفهم الإعلام السعودي بالمفقودين ليغطي بعضاً من الفضيحة التي تعرض لها جنوباً .
المتسللين كما يصفهم الإعلام السعودي والمتمردين حسب وصف الإعلام المحلي لهم أشغلوا المنطقة وحازوا على مساحات كبيرة بوسائل الإعلام وتصدروا عناوين الصحف العربية والأجنبية خلافاً لجولات الحرب السابقة التي عادة ما تنتهي دون أن يبث تلفزيون صنعاء سوى خبر بدء العمليات وإيقافها فقط مع تطرقه لجرائم الجماعة ونعتها بأوصاف الإرهاب والتخريب .
الإعــلام .. فشل رسمي ونجاح حوثي
لا غرابة في أن يخرج الحوثي من الحرب السادسة أقوى مما كان عليه فالحوثيون أصبح لهم كيان فرضته آلة السلاح كواقع يجب التعامل معه بعد أن كان مجرد تطلعات ومشاريع و تحول من مجرد مشروع مذهبي طائفي إلى مذهبي سياسي وأرغم الجميع على التعامل معه كطرف وقوة لا يستهان بها علاوة على ما شهدته الحرب الأخيرة من ظهور إعلامي واسع للحوثي سواء بالفضائيات والصحف وغيرها واعتماد الجماعة خطة إعلامية مدروسة تجلت بوضوح بما ينتجه المكتب الإعلامي للجماعة وتعيين متحدثين رسميين لها نجحوا في التعامل مع وسائل الإعلام وبرهنوا بالصوت والصورة أكاذيب وتلفيقات الإعلام الرسمي اليمني والسعودي وما كان ظهور عبدالملك الحوثي بشريط مصور عقب إعلان مقتله في إحدى الغارات إلا دليل على الكفاءة والخبرة الإعلامية التي يتمتع بها من حوله وهذا تأكيد من أن المكتب الإعلامي يتابع وسائل الإعلام وبطرق ووسائل مبتكره ناهيك عن استخدام الإنترنت كوسيلة إعلامية فائقة الدقة في إيصال الرسائل والإخبار إلى وسائل الإعلام .
إعلام رسمي يصنع نصراً زائفاً
فشل الإعلام الرسمي فشلاً ذريعاً في تناول الحرب في صعدة تناولاً موضوعياً بل لم يجد الأخوة في صحيفة الثورة حرجاً من تكرار نفس العناوين ونشر نفس الأخبار يوماً بعد يوم تتحدث عن تقدم للجيش وعن تطهير لأوكار المتمردين ناهيك عن أبراز تصريحات بطولية لبعض المسئولين وكان الوضع في الميدان مغاير تماماً لما تقوله الثورة وما تفصح به حناجر مذيعي قناة اليمن الفضائية وعند كل ساعة إخبارية كان يزف الى المواطنين نصراً وتقدماً وتطهيراً ودكاً لفلول الإرهاب والتمرد على حد وصف الإعلام الرسمي للحوثي ، وظلت وسائل الإعلام بعيدة عن الواقع في تقدمة للناس وخسر الإعلام ما تبقى من مصداقيته من خلال تضخيم جرائم الحوثيين على المواطنين وإذكاء الروح المذهبية من خلال تناوله لمعتقدات الحوثي بشكل مزايد فيه متناسين العادات والتقاليد اليمنية والتي بالطبع لها اثر في سلوكيات الحوثيين على اعتبار أنهم يمنيين , وبعيداً عن ذلك فقد نجح الإعلام الرسمي في تناول القوافل الشعبية ومرافقتها منذ انطلاقتها حتى وصولها مخازن حرض وإبراز ذلك بأسلوب روتيني لا تجديد فيه ولا تغيير لنتذكر مع ذلك حرب صيف 94م .
الجولة السادسة التي أختارها النظام إعلامياً كي تكون آخر الجولات والتي ستنتهي حتماً بالقضاء على التمرد وتطبيق القانون ولكن كان الوضع في الميدان يحكي حكاية أخرى غايرت أماني حسن اللوزي وشطحات سلطان البركاني عبر وسائل الإعلام التي ظلت على منوالها .. سنقضي على التمرد .. الحوثي في الرمق الأخير .. قواتنا تتقدم .. الأيام الأخيرة للمتمردين .. قتلنا .. طهرنا .. الخ إضافة إلى دخول وإطلاق تسميات لعمليات عسكرية كبيرة مأخوذة من آلة الحرب الأمريكية كعملية ضربة الرأس وعملية الأرض المحروقة وهذه لأول مرة تستخدم في عمليات الجيش اليمني .
الرد في الوقت المناسب
نبأ مقتل عبدالملك الحوثي في أحدى الغارات تناقلتها وسائل الإعلام بشكل متهور جداً ويبدو أن هذا التهور لم يكن فحسب لدى وسائل إعلام السلطة بل لدى كافة أجهزة الدولة التي أكدت الخبر على أعلى المستويات وبينما يستمر تناول الخبر في صنعاء حتى ينفي الحوثي عبر أحد متحدثيه الرسميين وببيان صادر عن الجماعة حتى جعل بعض الوسائل تعيد حساباتها في ما تم نشره على صدر صفحاتها الأولى ولكن كانت الحسابات جعلت من أولئك يتراجعون خطوة للخلف فبدلاً من إعلان مقتل زعيم التمرد حسب وصفهم فقد تم الاكتفاء وتصحيح الخبر بإصابته إصابة بالغة وهو الآن يتلقى العلاج
فكانت المفاجأة بعد أيام حين ظهر عبدالملك متحدثاً ومحركاً يديه ورجليه ليؤكد ممارسات الإعلام الرسمي في تضليل الناس عبر نصر فشلوا في تحقيقه في الميدان فظنوا أن وسائل الإعلام ستحققه لهم فعلاً على صدر صفحاتها ولم يكن هُنا الإعلام الرسمي فقط من يتناول خبر مقتل الحوثي بل تناولته الكثير من وسائل الإعلام الأهلية والمستقلة .. فكان رد الحوثي قوياً وما زاد من قوته هو الوقت المناسب له حيث جاء بعد أن ترك لتلك الوسائل فرصة في تناول الخبر وتداوله واختلاف التحليل من وسيلة إلى أخرى وبذلك خسر الإعلام الرسمي ما تبقى من مصداقية وتصدعت الثقة بينه وبين المواطن الذي فضل القنوات الفضائية الأخرى لمتابعة الموقف في صعدة..
إستراتيجة إعلامية للحوثي
الجميع يتفق معي بأن جماعة الحوثي نفذت خطة إعلامية محكمة الدقة وذلك في تغيير المفاهيم المأخوذة على الجماعة وزاد من أهمية الاتجاه إلى الإعلام كوسيلة هامة لإبراز أي مشروع هو السيطرة الإعلامية للسلطة مما أدى إلى الأخذ براويتها عند كل جولة خاصةً مع منعها المتكرر لوسائل الإعلام من تغطية الأحداث ميدانياً .
كان لا بد من وضع خطوط عريضة لسياسة إعلامية تعمل على إبراز الجماعة كجماعة تطالب بحقوق قانونية وتحويل الجماعة من معتدي الى ضحية وهذا ما تم فعلاً من خلال إنشاء المكتب الإعلامي للجماعة الذي أستطاع أن يدير الحرب الإعلامية وأن يحقق الكثير من النجاحات ساهمت بشكل كبير في تغيير الصورة المشوهة للجماعة حسب رواية الإعلام الرسمي فأصبح الحوثي يتحدث عن تقصير الدولة بواجباتها وعدم العدالة والمساواة بين المواطنين وقمع الحرية والكثير من القضايا العامة التي تهم الرأي العام العالمي إضافة إلى نفيه اتهامات السلطة خاصةً فيما يتعلق بالامتداد الخارجي وتأكيد احترامه لكل أطراف العمل السياسي باليمن وإحترامة حق الجوار مع المملكة وإيجاد المبررات اللازمة عند إقدام الجماعة على أي أمر مثل الدخول إلى الأراضي السعودية بتهمة تقديم تسهيلات للجيش اليمني لضرب الجماعة من على جبل الدخان ولموقعه الإستراتيجي..
الخطاب السياسي بديلاً للخطاب المذهبي..
استطاع الحوثي بما يمتلكه من كوادر إعلامية تغيير الصورة التي كانت على الجماعة وخاصةً بعد أن ظل الإعلام الرسمي يصور الجماعة كمجموعة من قطاع الطرق والإرهابيين والقتلة ودعاة الفتنة المذهبية وإعادة الإمامة ... الخ فقد أصبح للحوثي متحدثاً رسمياً بارع في الإجابة على أسئلة الإعلاميين مهما كانت حرجة وأظهر الجماعة مطالبة بحقوق قانونية ومتبنية لمطالب أهل صعدة في تحقيق التنمية وأستطاع دحض أكاذيب الإعلام الرسمي في تهمة صلة الجماعة بتنظيم القاعدة وتهمة اختطاف الأجانب وأكد إحترامة للقانون والدستور وحرصه على تحقيق السلام على حسب وصفه
مما جعل إعلام اللوزي في موضع حرج ونفيه الصلة بإيران والتحدث بمجموعة من المطالب الحقوقية والسياسية والتي تؤكد أن الحوثية كجماعة أصبح لها خطاباً وبرنامجاً سياسياً تعمل على ضوئه وتخاطب به وسائل الإعلام حيت أدركت الجماعة أن مسألة التوقف عند صراعات تاريخية ومذهبية لا فائدة منها بل قد تزيد من نقمة الأغلبية العظمى من أبناء الشعب اليمني عليها وهذا مما جعل الخطاب السياسي للجماعة يبرز ويحل محل الخطاب المذهبي حتى تستطيع الحصول على تعاطف شعبي داخلي تأكد من خلال نفي الجماعة القول بأنها تريد إعادة الإمامة .
مكتب إعلامي نشط
أستطاع مكتب الحوثي الإعلامي أن يواكب ما يحدث على أرض المعركة وأن يوجه رسائله إلى كافة وسائل الإعلام ويبدي وجهة نظر الجماعة من مختلف القضايا ذات الشأن المحلي ناهيك عن إصدارة لمجموعة من الإصدارات التي تتناول بعض العمليات في الميدان وجعل الصورة تتحدث وهذا يدل أن المكتب يقوم بمهامه كجهاز إعلامي يتبع الجماعة وفق أكمل وجه بدءاً بتصوير أحداث ميدانية وأسرى من الجيش اليمني ومن الجيش السعودي ناهيك عن إدارة موقع خاص بالجماعة على شبكة الإنترنت وإن كان محجوباً على المتصفحين داخل اليمن إلا أنه كان للموقع أثر كبير في التواصل مع العالم ومع وسائل الإعلام التي اعتبرته مصدراً رسمياً للجماعة وظل المكتب يمارس نشاطه في أصعب الظروف حتى بعد قصف مقره كما تناقلت ذلك وسائل الإعلام , الواقع في إحدى القلاع برازح .
الإعلام يحقق ما لا تستطيع الآلة الحربية تحقيقه
كثيرة هي إبداعات الحوثي الإعلامية والتي تنبئ عن تحول الجماعة من مجرد محاربين إلى تنظيم سياسي له أجهزته الإعلامية الخاصة والتي تطرح أفكاره وتساهم بشكل فعال في تغيير مجريات الأمور وهذا يدل على أن الجماعة تعي وتدرك أهمية الإعلام الذي غاب عن الحوثي في جولات القتال السابقة ويبدو أن الحوثي أدرك مؤخراً أهمية الإعلام في صنع النصر وتحويل مجرى الأحداث وتحقيق ما لا تحققه الآلة الحربية ..
الجولة الأكثر عنفاً ودموية في الحروب الست تابعها العالم عبر الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام نتج عنها وبما لا يدع مجالاً للشك ظهور جماعة منظمة تمضي نحو المؤسسية وتمتلك كوادر وخبرات إعلامية نستطيع وصفها بالناجحة فقد تفوق حوثيو الداخل إعلامياً على غيرهم من حوثيي الخارج الذين لم يكونوا سوى مجرد متلقيين للتعليمات من الداخل وأستطاع المكتب الإعلامي للحوثي الحصول على دعم بعض وسائل الإعلام وبالأخص الإيرانية منها والشيعية العراقية وقناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني وهُنا كان للتقارب المذهبي دور في ذلك فما يفسر بث فلاشات ومقتطفات من خطابات حسن نصر الله يتحدث فيها اليمن ويدعو إلى إيقاف الحرب يوم إعلان وقف إطلاق النار .
استراحة محارب
لم تضرب الرأس رغم دموية الجولة السادسة التي كانت الأعنف بكل المقاييس الحرب ونتائجها المأساوية على المدنيين تجعلنا نعيد النظر ونمعن التفكير قبل أن نقرر دخولها ولعل القرار العقلاني بإيقاف إطلاق النار سُيحسب للأخ رئيس الجمهورية لا عليه لأن القاتل والمقتول هو اليمن ودون حوار مع كل الأطراف وتحت سقف الدستور والقانون لن نستطيع الخروج من الأزمة ولا يكفي مجرد وقف إطلاق النار .
الحرب تعيش أيامها الأخيرة إلا أن احتمالات بدء جولة أخرى تظل مطروحة خاصةً وأن الحوثي لا يزال ممسكاً بزناد السلاح ويبدو أن نشوة الانتصار قد تجعله يُعد نفسه لجولة سابعة إضافة إلى ما عودنا به النظام من خلال استهواء استراحة محارب بين كل جولة وأخرى ويبقى القول أن الحرب السادسة انتهت والأرقام مرشحة للتزايد مع أملنا بسلام دائم وحوار دائم.
|